الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
قصص وروايات

قهوة آخر الليل

طه جمعه الشرنوبي

لم تكن تلك القهوة تشبه سائر المقاهي، تقبع على ناصية شارع ضيق، يُغسله ضوء عمود وحيد مهتز، كأنّه يتردد في أن يضيء الليل أو يستسلم للظلام.
واجهتها زجاجية، لكن مغطاة بطبقة رقيقة من بخار الليل، لا تُظهر سوى أطياف جالسة، وكأن المكان نفسه لا يريد أن يُفضح أمره.

في الداخل، كانت رائحة البن المحمص ثقيلة، مختلطة برائحة الخشب العتيق، وأغنية فيروزية تنبعث من مذياع قديم يتكئ بإعياء على الرف.

“نديم” دفع الباب بهدوء، فتسلل الجرس المعلق ليعلن قدومه، خافتًا كأنّه يعتذر.
خطى ببطء إلى طاولته المعتادة، قرب النافذة، ومن دون أن يطلب، جاءت “هند” تضع أمامه فنجان قهوة سوداء، بلا سكر.

ابتسمت دون أن تنطق، واختفت كما اعتادت.

“نديم” لا يعرف لماذا يأتي كل ليلة إلى هنا.
هل لأنه لا يريد أن ينام؟ أم لأنه يريد أن يجد أحدًا يسأله “لماذا أنت وحيدا”؟

°°°

مرّ أسبوع على نفس الطقوس؛ “نديم” يدخل، “هند” تقدم القهوة، والرجل العجوز في الزاوية لا يتحرك، كأنّه قطعة من المقهى نفسه.
ذات ليلة، عندما كان يلف إصبعه حول فوهة الفنجان، رفع بصره فجأة، وقال بصوت أقرب إلى الهمس:

– “اسمك “هند”… صح؟”

رفعت عينيها إليه، وعلى وجهها نصف ابتسامة كأنها كانت تعرف أنه سيسأل، ثم أومأت دون أن تتكلم.

– “أنتِ هنا كل يوم؟”
قالها مرتبكًا، محاولًا أن يصنع جسرًا عبر الصمت.

هزت رأسها بـ”نعم”، ثم سألت، لأول مرة:
– “وأنت؟ أنت ليه هنا كل يوم؟”

لم يعرف بماذا يجيب، هل يقول لها الحقيقة؟ أنه خائف من العودة لغرفة لا تنتظره فيها روح أخرى؟ أم أن الوحدة أصبحت أثقل من أن يحملها وحده؟

ابتسم وهو يقول:
– “بحب القهوة.”

ضحكت بخفة، وقالت وهي تبتعد:
– “أيوه طبعًا، كلنا بنحب القهوة… بس مش للدرجة دي.”

°°°

في الليلة التالية، جاء متأخرًا عن موعده المعتاد.
وجد المقهى شبه فارغ، غير الرجل الصامت الذي كان يجلس بظهر مستقيم، يحدق في اللاشيء.

“نديم” نظر إليه طويلاً، منذ أسابيع وهو يراه هناك، لكن لم يسمع صوته يومًا.
حتى “هند” كانت تمر بجانبه بصمت، تضع فنجانه وترحل.
دفعته رغبة غريبة أن يكسر هذا الحاجز، فقام بفنجانه ومشى نحوه.

وقف أمامه بثوانٍ مرتبكة، ثم قال:

– “ممكن أقعد؟”

الرجل رفع عينيه ببطء، نظرة خاوية، ثم أشار بيده إلى الكرسي المقابل.
جلس “نديم”، وحاول أن يلتقط خيط الحديث، لكن الصمت كان أكثر صلابة من أن يُهزم بكلمات سهلة.

قال أخيرًا:
– “أنا نديم.”

لم يرد الرجل. فقط حرك فمه كأنه ينطق شيئًا، ثم سكت.
هند مرت بجانبهما، وضعت فنجان قهوة ثانية أمام الرجل دون أن تنظر إليهما.

“نديم” شعر بحيرة عميقة، كأن المقهى كله متواطئ على هذا الصمت، وكأن الكلام هنا جرم لا يُغتفر.

°°°

مرت ليالٍ أخرى، وفي كل ليلة، يقترب أكثر من “هند”، دون أن يعرف عنها شيئًا كثيرًا.
تعلم أن لديها أخًا مريضًا، أنها تكره الشتاء، وتخاف من القطط.
وتعلم أيضًا أن الرجل الصامت يأتي منذ ثلاث سنوات إلى نفس الطاولة.

وذات ليلة، وبينما كان “نديم” يغرق في فنجانه، سألها فجأة:

– “هو مالو الراجل اللي هناك؟”

“هند” وقفت دقيقة صامتة، وكأنها تختار كلماتها بحذر، ثم قالت:

– “بيستنى حد… بس الحد ده مش جاي.”

“نديم” شعر بشيء بارد يتسلل إلى صدره.

– “مين الحد ده؟”

هزت كتفيها:

– “مش عارفه… يمكن مراته، يمكن ابنه… يمكن نفسه القديمة.”

ضحكت، لكن عينيها لم تضحكا.

°°°

تكررت الليالي، وصار “نديم” يشعر أن المكان يغمره كما يغمر الغريق؛ أدمن الفقد دون أن يدرك.

وفي ليلة قمرية، كانت الشوارع خالية إلا من العابرين بالحزن، دخل المقهى فلم يجد الرجل الصامت.
جلس متوتراً، يلتفت بين الحين والآخر، كأنّه ينتظر شبحًا.

سأل “هند”:

– “الراجل… مجاش النهارده؟”

نظرت إليه بتمعن، ثم قالت بهدوء:

– “مفيش حد بييجي هنا غيرك.”

تجمد “نديم”.

– “ازاي؟! أنا بقعد معاه كل يوم!”

ضحكت بمرارة وقالت:

– “أنت بتتكلم مع نفسك، بقالك شهر… بتسألني كل يوم نفس الأسئلة، وبترجع تحكي للكرسي اللي قدامك.”

تراجع “نديم” في مقعده، كأن الجدار انهار خلفه.
استعاد في رأسه الليالي كلها: لم يسمع صوت الرجل الصامت قط، لم يره يتحرك، لم يشاهد أحدًا آخر يتفاعل معه.
كل ما رآه كان انعكاس وحدته؛ وكانت القهوة مُرّة هذه الليلة أكثر من أي وقت مضى.

خرج من المقهى مترنحًا تحت سماء بلا نجوم.
خطا خطوات بطيئة نحو المجهول، كأنه يخطو داخل نفسه.
وراءه، ظلت القهوة مضاءة، وحيدة كعادتها؛ وفي الزاوية، عند الطاولة الفارغة، جلس طيف خافت، يلوح له مبتسمًا.
لم يعرف “نديم” إن كان الطيف حقيقيًا أم كان ظله، لكنه هذه المرة، لم يتوقف لينظر.
مشى، ومشى، حتى ذاب في عتمة الشارع الذي لا ينتهي.
كان الهواء في الخارج باردًا، يلسع وجهه وكأنه يعاقبه على يقظته المتأخرة.
وقف “نديم” تحت العمود المرتجف، يشاهد ظله المهتز على الرصيف.
لأول مرة، لم يعرف أي ظلٍ يتبعه: ظله الحقيقي أم ظل وحدته؟

أشعل سيجارة، رغم أنه لم يكن مدخنًا، أو لم يكن معتاد التدخين، لكنه كان بحاجة لفعل أي شيء ليكسر هذا الفراغ الذي ينمو داخله كوحش جائع.

مرّت سيارة أجرة مسرعة، تركت وراءها خطًا من الضوء والضوضاء.
في تلك اللحظة، أدرك شيئًا بسيطًا ومخيفًا: لم يكن ينتظر أحدًا. ولم يكن أحد ينتظره.

عاد إلى بيته سيرًا على الأقدام.
كل خطوة كانت كأنها تغوص في رمال الوحدة.
حين وصل، وجد الغرفة كما تركها:
سرير مُبعثر، أكواب قهوة فارغة، أوراق متناثرة بلا ترتيب.
جلس على طرف السرير، وأنزل رأسه بين يديه.

تذكر كلمات “هند”:
“أنت بتتكلم مع نفسك بقالك شهر…”

ضحك ضحكة صغيرة مكسورة.
منذ متى صار الخيال أكثر واقعية من الحياة؟

°°°
في اليوم التالي، لم يذهب إلى القهوة، ولا في الذي يليه.
مرّت أيام وهو يحاول أن يعيش حياة “عادية”، يذهب للعمل، يبتسم للغرباء، يعود إلى البيت، ينام.
لكن شيئًا في داخله ظل يهمس له كل ليلة: القهوة تنتظرك.
وفي ليلة لم يعد يحتمل فيها الصمت، لبس معطفه، وخرج.
عندما وصل إلى المقهى، وجد الباب مواربًا.
دفعه بهدوء، فصدر عن الجرس صوت خافت كما اعتاد.
لكن الداخل كان مختلفًا.

لا “هند”.
لا موسيقى.
لا رائحة قهوة.

المكان مظلم إلا من ضوء خافت فوق طاولته المعتادة.
اقترب ببطء، شعر بقلبه يخبط كطبول الحرب.
على الطاولة، كان هناك شيء صغير:
فنجان قهوة دافئ… ورسالة مطوية بعناية، فتح الرسالة بيد مرتجفة.

كانت بخط “هند”:

“نديم”،
أحيانًا، نحن نصنع أماكن نختبئ فيها من أنفسنا.
القهوة كانت لك، الرجل الصامت كان أنت.
أنا مجرد ظل آخر، كنت تحكي له دون أن تدري.
عندما تدرك أن الوحدة ليست عدواً… بل جزء منك، حينها فقط ستستطيع أن تعود إلى الحياة.
إلى اللقاء، أيها العابر.”

ابتسم “نديم” بحزن، وضع الرسالة في جيبه، حمل فنجان القهوة، وشرب منه رشفة صغيرة.
لم يكن الطعم مرًا هذه المرة، كان طعمه يشبه الحقيقة: ثقيل… لكنه ضروري.

°°°
خرج من القهوة ببطء، وأغلق الباب خلفه، لم ينظر إلى الخلف.
كان يعلم أن القهوة ستبقى هناك، تنتظره؛ ليس ليعود، بل ليعرف أن بعض الأماكن تبقى للأرواح التي كانت تحتاجها يومًا ثم تعلّمت أن تمضي.
مشَى تحت ضوء العمود المرتعش، وكان هذه المرة خفيف الخطى.
كأن الوحدة، التي كانت ثقلًا، صارت جناحين.
واندمج مع الليل حتى ذاب.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights