تهنئة
الجمعة: 05 يونيو 2026م - العدد رقم 2937
مقالات صحفية

تَسكن صندوقك … العالم أوسع مما درست

غزلان بنت علي البلوشية

في هذا العصر الذي تُعاد فيه كتابة القواعد كل يوم، لم يعُد الثبات مهارة تُمدَح، بل أصبح ركونًا قد يُقصيك عن الركب.

المعرفة التقليدية، مهما كانت عريقة، لم تعُد تكفي وحدها لعبور الطرق المتشابكة في الحياة المهنية.

لقد تغيّر العالم… وتبدّلت الأدوار… وأصبحت القيمة الحقيقية لمن يُجيد التحوّل، والاندماج، واستثمار ذاته في أكثر من مجال.

في زمنٍ تُقاس فيه الكفاءة بمرونتك، لا بشهادتك فقط… لم يعُد الانغلاق على تخصص واحد فضيلة، بل قيدًا.

إن التمسك الأعمى بتخصصٍ واحد، كما لو كان قَدَرك الذي لا فكاك منه، أشبه بمن يرفض تغيير موقعه في قارب تتلاطمه الأمواج… معتقدًا أن الثبات سينقذه، بينما النجاة في المرونة، وفي القدرة على السباحة في أكثر من اتجاه.

أن تتخصص… فهذا هو الجذر الصلب الذي تُبنى عليه مسيرتك المهنية، وهو الأساس الذي يمنحك الثقة والثبات.

لكن أن تبقى حبيس هذا الجذر، تخشى أن تتفرّع أو تُزهر في اتجاهات أخرى… فذلك كمن يغرس شجرة ثم يمنعها من الامتداد، ظنًّا منه أن الفروع تُضعف الأصل، بينما الحقيقة أن الامتداد حياة، والنمو تجدد، والتنوع بُعدٌ من أبعاد القوة.

التخصص يمنحك العمق… أما التنوع، فيمنحك الأفق.

والعقل الناضج لا يُخَيِّر نفسه بين أحدهما، بل يُوازن بين الجذور العميقة والآفاق الرحبة، ليحيا واقعًا أكثر وعيًا، ويصنع أثرًا لا يشبه سواه.

لكن هذا التوازن لا يتحقق إلا بامتلاك ما يسمى التمكين الإداري النفسي؛ أي أن تُدير ذاتك بعقل واعٍ، وتنظّم مشاعرك، وتضع أهدافك بوضوح، وتُخطط لحياتك كما تُخطط الشركات الكبرى لمشاريعها.

أن تعيش بحضورك الكامل، لا أن تنشغل بتفاهات تُستنزف فيها طاقتك، أو تُشتتك مقارنات اجتماعية لا تُضيف لك شيئًا سوى القلق والتردد.

إن التحرر من التأثير الاجتماعي التقليدي، الذي يُملي عليك ماذا تعمل وكيف تفكر، هو أول خطوة نحو النجاح الحقيقي.

لا تجعل ضجيج الناس يغطي على صوتك الداخلي… ذاك الصوت الذي يقول لك بثقة:

لست مجبرًا أن أبقى كما بدأت… أنا أستحق أن أتنوع، أن أتجدد، وأن أختار طريقي بنضج.

إلى كل من ينتظر فرصته، ويُحدّق طويلًا في شهادته…

تذكّر أن الشهادة ليست جدارًا يُحيط بك، بل نافذة يمكنك أن تُطلّ منها على عوالم لا حصر لها.

هي ليست نهاية الطريق، بل بدايته. والعالم اليوم لا يبحث عن شخص يُتقن مهمة واحدة، بل عن إنسان يُتقن التعلّم، يُجيد التكيّف، ويملك الجرأة ليعيد تشكيل نفسه كلما تغيّر الواقع.

قد تبدأ بتخصص معين، لكن لا تجعل هذا التخصص قيدًا يُقيّدك.

استثمر في نفسك، لا في وصفك الوظيفي.

تعلّم شيئًا جديدًا كل يوم. اختبر مجالات لا تمتّ لتخصصك بصلة، وربما تجد في إحداها ذلك البريق الذي يحرّك شغفك من جديد. أنت لا تُهزم عندما تخسر؛ بل عندما تتوقف عن التعلّم

( ألبرت آينشتاين).

التنوع لا يعني التشتت؛ بل هو فرصة لإعادة اكتشاف الذات من زوايا جديدة.

هو عملية نضج فكري تتسع فيها رؤيتك، وتُصبح أكثر وعيًا بمكانك، وأذكى في قراراتك. حين تطرق بابًا جديدًا، فأنت لا تهرب من نفسك… بل تقترب منها أكثر.

ومن قال إنك لا تملك قدرات إلا في تخصصك؟ جرّب… وستُدهشك أعماقك.

في عالم سريع التقلب، لا ينجو فيه إلا من يملك أدوات متعددة؛ فالمرونة لا تعني الضعف… بل القيادة والتكيف مهارة لا تُدرَّس في الجامعات، لكنها ما تصنع الفرق بين من يُنتظَر أن يُوظَّف، وبين من يصنع لنفسه فرصة. القادة الحقيقيون هم أولئك الذين يعرفون متى يُغيرون الاتجاه قبل أن تصطدم السفينة(جون سي ماكسويل).

التنوع المهني يفتح لك أبوابًا لم تكن تعلم بوجودها. يوسّع شبكة علاقاتك، ويُعزّز حضورك في مجتمعات مهنية متعددة.

كل خطوة جديدة تُضيف إلى رصيدك، حتى وإن لم تكن مثالية.

ستقابل من يقول لك: ابقَ في مجالك، أو لا تُشتت نفسك، أو أنت لست أهلًا لهذا الاتجاه الجديد.

لكن الحقيقة؟ كثيرون يخافون من الضوء، فيُحاولون إطفاءه عند غيرهم. لا تسمح لهم أن يكونوا سببًا في انطفائك. تذكّر: أنت لست مشروع إرضاء للناس… بل مشروع نهوض لذاتك. وتذكر :تجنّب من يحاول قصّ جناحيك.

ابدأ من اليوم بكتابة فصل جديد في حياتك.

استثمر وقتك في بناء نسختك القادمة، واصنع من كل مهارة صغيرة مسارًا جديدًا.

توقف عن الاستئذان لتكون أفضل. فالعالم لا يمنحك مكانك، بل أنت من تصنعه.

إن لم تصنع لنفسك مكانًا… فسيُقال لك أين تقف

( ستيف جوبز).

رسالتي إليك… من قلب التجربة إلى قلبك..

إلى كل من يقف عند مفترق الطرق، تائهًا بين ما تعلّمه وما يحلم به، إلى الباحثين عن عمل… والباحثين عن أنفسهم قبل ذلك، أقول لكم: لا تجعلوا التخصص سجنًا، ولا تجعلوا التوقعات قيدًا، ولا تجعلوا الخوف حارسًا على أبواب أحلامكم.

لقد خُلقنا لنكتشف، لننمو، لنتغيّر… والتنويع ليس هروبًا من الذات؛ بل عودة إليها بشكل أوسع وأعمق. كل مهارة تكتسبها هي حجر في بناء مستقبلك. وكل تجربة تخوضها، حتى إن بدت بعيدة عن مجالك، قد تكون الحلقة التي تربط بين شغفك وواقعك.

اصنعوا من التغيير رفيقًا، ومن الشغف وقودًا، ومن التنوع طريقًا…فالعالم لم يعد يكرّم من يحفظ المسار؛ بل من يُعيد رسمه.

أنا غزلان البلوشية، أكتب لكم من واقع حياة امتلأت بالتحديات، والانتقالات، والتجارب التي لم تكن دائمًا سهلة… لكنها كانت دائمًا ثرية. ولولا أنني تجرّأت على التنوع، لما وجدت نفسي هنا، أكتب هذه الكلمات من قلبٍ يعرف كيف يكون الإنسان مشروعًا مستمرًا من الاكتشاف. فابدأ رحلتك الآن… لا لتجد عملًا فقط؛ بل لتصنع ذاتك كما تستحق.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights