نوازل ومنازل
أيمن الغيثي
كان قدومه خلسه ودخوله غيله، حدد ساعة الصفر وعقد العزم على تنفيذ خطته ( خطة الاقتحام ). هنا لا أتحدث عن لص محترف أو قاتل متسلسل، بل عن فيضان تلك الليلة العصيبة ( ليلة ١٧ / ٤ / ٢٠٢٤ ) وكأنه فرد عصابة من إحدى دول شرق آسيا أو أمريكا الجنوبية، يمشي الهوينا وبهدوء ساكن،،
قال قائل: بأن ما حدث يحدث لأول مرّة، وهذا قول جانبه الصواب؛ فقد نقلت السِير الشعبية والوقائع المتداولة والأخبار المتناقلة بأن مثل هذه الأحداث قد وقعت فعلاً، وأن قبل ردحٍ من الزمان، وقال آخر بأن الوادي سلك مساراً غير مساره المعتاد، وهنا أيضاً مغالطة أخرى لأن واقع الحال يقول بأن الوادي لم يعتدِ على أحد بل الناس من اعتدوا عليه وشيدوا البنيان المرصوص في طريقه، هو طريقه نعم، ومسلكه القديم وقد أتى بعد عشرات السنين ليكمل ما بدأه سلفه!
لم يكن وادٍ واحد من فعل ذلك، فقد خلص الاجتماع المنعقد والقرارات المتخذة في غرفة العمليات إلى الهجوم على هذه القرية الصغيرة الجميلة الهادئة الوادعة ( الوقيبة – حلة البرج) كما غيرها من القرى المجاورة.
قُطعت شبكات الكهرباء والهواتف، توقفت أجهزة التكييف وغيرها من المعدات والآلات والمضخات، ارتفع صوت الماء القادم بشكل مخيف، إذن فالهجوم قد بدأ والقصف كذلك، تعالت الأصوات من البيوت تخللها صوت طفلٍ خائف وأم تحتضنه تحسباً لمكروه قادم لا محالة، هاجت الشجون، دمعت العيون، وظن كثير من الناس بالله الضنون، استغل فيضان ليلة ١٧ تعطل شبكات الكهرباء والاتصالات ونزل بكل ثقله على هذه القرية، خزانات خشبية، أجهزة كهربائية، كنبات منزلية، وغيرها كثير جرفتها السيول وكأن الوادي يقول بأنها غنائمه المستحقة من غزوته السابقة في القرية الأخرى وكأني به يقول حان الآن دوركم!طفت على سطح الماء أدوات كثيرة ومعها طفت الإنسانية أيضاً، ففوراً وبدون خطة مسبقة خرج شباب القرية من بيوتهم لتقديم المساعدة الفورية العاجلة للنداءات القادمة من البيوت المجاورة، الفيضان في أشده والذعر قد تمكن من قلوب القوم وإن حاول بعضهم ستره ومواراته مع أن الخطب جلل، ظل هذا الوضع ساعات وكأنها سنوات، ليلة إسكندينافية طويلة إلى أن تدخلت الشمس وأرسلت بعض خيوطها لتهدأ روع الخائفين، أشرقت ببطئ مميت ليكتمل شروقها وتتضح الصورة المروعة!
القرية هي كلها وادٍ ولكن ليس وادي الملوك بل وادي الرعب والتابوت، أشرقت الشمس وكشفت عن حجم الدمار الذي خلفه الفيضان ولا زال يجرف ما يراه في طريقه، اختطف الأخير عدد ٤ مركبات وتمكن الجمع من السيطرة على واحدة في رمقها الأخير، ثقيل طويل كئيب ذلك اليوم، استمر زخم الجريان حتى ساعات العصر الأولى إلى أن بدأت القوات بالتراجع والقطعات بالإنسحاب ومنسوب المياه بالانحسار ليعود الوادي إلى سيرته الأولى، وكأني به يقول: سأعود تارة أخرى، سأرجع، هي أرضي وطريقي ومسلكي، سأعود يوماً ما…
انتصف النهار، صفت السماء، خلت من تلك السحب الركامية الثقيلة عدى بعض السحابات الصغيرة العابرة وكأنها ذئاب منفردة وهي في طريقها للحاق بمن أتت معه بعد أن أدت المهمة.
يا إلهي: الأرواح متعبة!
انتهت أحداث ذلك اليوم، والشمس تجري لمستقر لها وذلك تقدير العزيز الحكيم.. إنها
ليلة سقوط القرية…



