مقالات صحفية

العرب سياسيًا بعد الربيع العربي

محمد بن حمدون السلطي

في خضم التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة، يبرز سؤال جوهري حول موقع الدول العربية في النظام الدولي الجديد، ومدى قدرتها على التعامل مع المتغيرات المتسارعة التي أعقبت أحداث ما عُرف بـ«الربيع العربي».

فبعد التصريحات الأمريكية الأخيرة التي تناولت سلطنة عُمان خلال أحد الحوارات الصحفية، والتي رأى البعض أنها تعكس أسلوبًا أكثر حدة في السياسة الأمريكية خلال عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والدول العربية، وحول مستقبل التوازنات السياسية في المنطقة.
وتبدو سلطنة عُمان حالة خاصة في هذا السياق؛ فهي تُصنف دوليًا كدولة تتبنى سياسة الحياد الإيجابي، ولعبت على مدى عقود أدوارًا مهمة في الوساطات السياسية، وأسهمت في تقريب وجهات النظر بين أطراف متعددة، كما شاركت في جهود إنسانية ودبلوماسية عديدة، من بينها المساهمة في الإفراج عن رهائن ومحتجزين من جنسيات مختلفة.
ومن منظور أوسع، يرى كثير من المراقبين أن مرحلة ما بعد عام 2003، وما رافقها من احتلال العراق، شكّلت نقطة تحول مهمة في المشهد السياسي العربي، حيث بدأت تظهر مفاهيم جديدة جرى الترويج لها تحت مسميات متعددة، مثل “الشرق الأوسط الجديد” و”الفوضى الخلاقة”، وهي مفاهيم ارتبطت بقراءات مختلفة لمستقبل المنطقة وإعادة تشكيل توازناتها السياسية.

ومع اندلاع أحداث الربيع العربي عام 2011، شهدت المنطقة تحولات دراماتيكية أدت إلى سقوط عدد من الأنظمة السياسية، وإضعاف قوى وأحزاب كانت تمثل جزءًا من المشهد السياسي العربي لعقود طويلة. وبغض النظر عن الموقف من تلك الأنظمة، فإن انهيارها ترك فراغًا سياسيًا وأمنيًا في عدد من الدول، انعكست آثاره على استقرار المنطقة بأكملها.

كما أن هذا التحول أوجد واقعًا جديدًا أصبحت فيه بعض الدول العربية أكثر عرضة للضغوط الخارجية، في ظل غياب مشروع عربي جامع قادر على إدارة التحديات الإقليمية والدولية. وفي الوقت نفسه، عززت الولايات المتحدة وحلفاؤها حضورهم في ملفات المنطقة، وأصبح تأثيرهم أكثر وضوحًا في العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية.

ولا يمكن إغفال حقيقة أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك أدوات تأثير واسعة على المستوى العالمي، سواء من خلال قوتها الاقتصادية، أو دورها في النظام المالي الدولي، أو نفوذها السياسي والعسكري، وهو ما يجعل التعامل معها يتطلب قدرًا عاليًا من الواقعية السياسية والحكمة الدبلوماسية.

ومن هذا المنطلق، يرى الخبراء أن السياسة العُمانية والعربية مطالبة اليوم بتبني نهج براغماتي متزن، يقوم على فهم المصالح والمتغيرات الدولية، دون الوقوع في فخ المواجهة غير المحسوبة أو الارتهان الكامل لأي طرف خارجي.

كما أن التجارب التي شهدتها بعض دول المنطقة خلال السنوات الماضية تؤكد أهمية العمل الجماعي العربي، وتبرز الحاجة إلى تعزيز مفهوم الأمن العربي المشترك، بوصفه أحد أهم الأدوات القادرة على حماية المصالح العربية في عالم يشهد تغيرات متسارعة وتنافسًا متزايدًا بين القوى الكبرى.

وفي النهاية، فإن التحديات التي تواجه الأمة العربية اليوم تتطلب رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تقوم على التعاون والتكامل والتنسيق المشترك، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والانقسامات، لأن الأمن والاستقرار لا يمكن أن يتحققا بشكل فردي، بل من خلال عمل عربي جماعي يوازن بين المصالح الوطنية والمصالح القومية، ويمنح المنطقة قدرة أكبر على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights