الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
أخبار محلية

من الخجل إلى الذهب .. حكاية طالبة صنعت مجدها بالمسرح

  أحمد معروف اليافعي

في أروقة الجامعة، حيث تتلاقى الأحلام بالتحديات، وُلدت قصة مختلفة لطالبة لم يكن المسرح بالنسبة لها نشاطاً عابراً، بل شغفاً عميقاً يسكن وجدانها ويقود مسيرتها. إنها مريم بنت عبدالله الجعفري، الطالبة بجامعة ظفار، التي آمنت بأن الموهبة أمانة، وأن الحلم لا يتحقق إلا بالعمل والإصرار.

عندما انضمت إلى جماعة المسرح، كانت خجولة بطبعها، لا تكاد تبادر بالكلام. غير أن خلف ذلك الهدوء كانت تختبئ شخصية مبدعة، تمتلك حساً فنياً عالياً وصوتاً جميلاً وحضوراً مختلفاً. كانت تحتاج فقط إلى من يؤمن بها، وإلى فرصة تضعها على خشبة المسرح لتكتشف نفسها قبل أن يكتشفها الآخرون.

منذ خطواتها الأولى، أظهرت مريم التزاماً لافتاً؛ كانت أول الحاضرات إلى البروفات، والأكثر حرصاً على الانضباط بالمواعيد. نجحت في الموازنة بين محاضراتها الجامعية وتدريباتها المسرحية دون أن يؤثر أحدهما على الآخر. تحفظ نصوصها بإتقان، ترتجل بثقة، تنفذ ملاحظات المخرج والمشرف بدقة، وتتعامل مع زملائها بروح الفريق الواحد، صبورةً متعاونةً ومحترمة للجميع.

لم يكن الطريق سهلاً. واجهت مع زملائها تحديات تنظيمية وإدارية كثيرة: تصاريح للبروفات، حجوزات قاعات، تنسيق جداول بين الطلبة المشاركين، وضغوط اختبارات دراسية متزامنة مع مواعيد العروض. لكنها كانت تؤمن أن العرض المسرحي مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مشاركة فنية، وأن احترام الجمهور يبدأ من احترام الوقت والجهد والتفاصيل.

شاركت مع فريقها في مهرجانات جامعية، من بينها مهرجان بجامعة الشرقية، حيث حققوا جوائز فردية وجماعية، أبرزها جائزة أفضل عرض مسرحي (المركز الثاني). كانت تلك اللحظة محطة مهمة عززت ثقتها بنفسها وأكدت أن الاجتهاد لا يضيع.

غير أن طموح مريم لم يتوقف عند حدود التمثيل. في النسخة الثانية من مهرجان المسرح الجامعي، كانت المؤلفة والمخرجة والقائدة، تتحمل مسؤوليات متعددة بثبات واقتدار. سعت إلى إشراك زملائها في مهرجانات محلية، بالتعاون مع فرق مسرحية محترفة أو عبر علاقاتها في الوسط الفني، إيماناً منها بأهمية صقل المواهب وتقديمها بصورة احترافية تليق بجامعة ظفار وطلبتها المبدعين.

وفي إحدى المحطات المهمة، خلال مهرجان المسرح العُماني، تعرّض العرض الذي شاركت فيه للنقد. ورغم ذلك، بقيت مريم ثابتة، تنظر إلى النقد باعتباره فرصة للتطوير لا سبباً للإحباط. كنت فخوراً بمشاركتها ومشاركة بعض الطلبة في عرض احترافي، وكانت هي تردد دائماً أمام الجميع أن أول من آمن بموهبتها هو أستاذها، في مشهد يعكس وفاءها واعتزازها بكل من دعم مسيرتها.

ومن المواقف التي تجسد روحها القيادية، اتصالها في يوم جمعة لحل إشكالية تتعلق بفتح القاعة للتدريبات ضمن مهرجان جامعة ظفار المسرحي الثالث. كانت مرهقة وتحت ضغط كبير، إذ لم يكن أمامها سوى يوم واحد للتدريب، في وقت كان معظم المشاركين مرتبطين باختبارات دراسية. كادت دموعها تسبق كلماتها، لا ضعفاً، بل شعوراً بثقل المسؤولية. ومع ذلك، لم تستسلم، بل أصرت على إيجاد الحل، لأن الطموح الحقيقي لا يعرف الأعذار.

سنوات من العمل الصامت، والالتزام، والتضحية، أثمرت إنجازاً يليق بها؛ فقد فازت مريم بجائزة الشارقة للتأليف المسرحي – المركز الأول في مجال النصوص للكبار. لحظة تتويج لم تكن مفاجئة لمن عرف مسيرتها، بل كانت نتيجة طبيعية لرحلة طويلة من الشغف والإصرار.

قصة مريم ليست مجرد حكاية طالبة متفوقة في نشاط طلابي، بل هي رسالة لكل شاب وشابة يحملان حلماً في قلبيهما:
لا تستسلموا للمحبطين.
لا تجعلوا التحديات توقفكم.
تمسكوا بأحلامكم، وواجهوا الصعوبات بإيمان وثقة.

فالشغف حين يقترن بالإخلاص يتحول إلى ذهب،
والحلم حين يُسقى بالعمل… يصبح واقعاً يُحتفى به.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights