عصر الأمراض النفسية

صالح بن ناصر المحروقي
يقف الإنسان المعاصر اليوم على قمة جبل شاهق من الإنجازات المادية، وبيده مفاتيح الوصول اللامتناهي للمعلومات، وتحيط به أدوات الرفاهية من كل جانب، غير أنه، وفي مفارقة تراجيدية، لم يكن يوماً أكثر هشاشة واغتراباً عما هو عليه الآن.
لقد استبدل هذا العصر الأوبئة الجسدية بأوبئة نفسية صامتة؛ فصار القلق والاكتئاب والاحتراق النفسي هي السمات البارزة لإنسان السرعة. هذا الكائن الذي يركض في مضمار لا نهاية له، ظانّاً أنه يطارد الحرية، بينما هو في الحقيقة يطارد سراباً يستهلك روحه.
لم يعد قيد الإنسان اليوم خارجياً كما كان في مجتمعات الانضباط القديمة التي قامت على المنع والمراقبة وكلمة لا يجوز، بل تحول القيد إلى الداخل حين ولجنا مجتمع الإنجاز الذي يرفع شعار أنت تستطيع. وظاهرياً، يبدو هذا التحول تحرراً كبيراً، لكنه في الجوهر ليس إلا إعادة صياغة للاستنزاف؛ فالمستغِلُّ والمُستغَلُّ قد اتحد في ذاتٍ واحدة.
لقد غاب السيد الذي كان يجلد العامل ليُنتج، وحل محله الوجع الداخلي للضحية التي تجلد نفسها. فالإنسان المعاصر يطارد طموحات تفوق طاقته، ويحاكم ذاته على كل لحظة صمت أو فراغ، معتبراً إياها خطيئة في حق الإنتاجية، حتى انكسر داخله ذلك الخيط الرفيع الذي يربطه بالطمأنينة.
وفي غمرة هذا الضجيج الرقمي المتصاعد، تسربت من بين أصابع الإنسان المعاصر أثمن ملكاته البشرية، وهي القدرة الأصيلة على التأمل؛ فالثقافة الرفيعة والآداب الخالدة لا تنبت بذورها إلا في تربة الصمت والتمعن. إن تجريف مساحات الهدوء في حياتنا حوّل العقل إلى مجرد مرآة تعكس أضواء الشاشات، بدلاً من أن يكون منبعاً للوعي، مما أدى إلى فقداننا الجوهر الإنساني الذي يتغذى على البطء والتروي.
لكن عصرنا الحالي يحتقر البطء؛ فاستبدلنا الانتباه العميق بانتباه مشتت يمسح السطح سريعاً ولا يغوص في الجوهر. أصبحنا نستهلك المعلومات ولا نهضمها، ونجمع المعارف ولا نعيها، فغاب المعنى وحل محله التراكم، وغابت السكينة وحل محلها التوتر الدائم.
ثم إن تعدد المهام الذي نتباهى به ليس إلا ارتداداً نحو البدائية؛ فالعقل الذي يراقب عشرات النوافذ المفتوحة في آن واحد هو عقل مذعور لا يستطيع أن يبدع أو يدهش. لقد فقدنا حق الملل، ذلك الملل الذي كان تاريخياً هو المختبر الذي ولدت فيه أعظم أفكار البشرية.
وبدلاً من أن نترك أرواحنا ترتاح في فضاءات اللاشيء، صرنا نملأ كل فراغ بالتصفح الأعمى؛ خوفاً من مواجهة أنفسنا، وهرباً من فراغ داخلي لا تملؤه مئات الإعجابات الافتراضية.
مسكين هو هذا الإنسان المعاصر؛ فبينما يمتلك كل شيء من الأدوات، يشعر بلا شيء من السعادة. إن السعادة والسكينة ليستا نتاجاً لزيادة الإنجاز، بل هما ثمرة لجودة الوجود.
إننا بحاجة ماسة اليوم إلى فلسفة الرفض؛ الرفض لأن نكون مجرد آلات إنتاجية، والرفض لأن تُقاس قيمتنا بما ننجزه لا بما نحن عليه. إن استعادة الهدوء ليس ترفاً، بل هو فعل مقاومة ضروري للبقاء على قيد الإنسانية.
إن الخلاص من عصر الأمراض النفسية يبدأ حين ندرك أن التوقف ليس فشلاً، وأن البطء ليس تخلفاً؛ فنحن بحاجة إلى أن نتصالح مع تعبنا العميق، ونسمح لأنفسنا بأن نكون بشراً مرة أخرى؛ بشراً بكل ما يحمله ذلك من ضعف، وتأمل، وحاجة ماسة إلى لحظات صمت يعيد فيها القلب ترتيب نبضه، بعيداً عن صراخ هذا العالم المحترق.



