القافر… سردية الانتماء وتحولات الوعي
الكاتبة والباحثة التربوية سالمة هلال الراسبية جنوب الشرقية.
يُعدّ مسلسل القافر علامة فارقة في مسار الدراما العُمانية المعاصرة، إذ استطاع أن يقدّم نموذجًا فنيًا يجمع بين الأصالة التاريخية والطرح الاجتماعي الواقعي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى أعمال درامية تعبّر بصدق عن المجتمع العُماني وتخاطب تحوّلاته وتحدياته، وقد استمدّ المسلسل مادته السردية من رواية تغريبة القافر للكاتب العُماني زهران القاسمي، وهي الرواية التي فازت بـ الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2023م، مما أضفى على العمل بعدًا أدبيًا عميقًا ورسّخ مكانته الثقافية.
شارك في المسلسل نخبة من الفنانين العُمانيين، من بينهم يعقوب الحارثي، وسعود الخنجري، ومحمد بن خميس المعمري، وسميرة الوهيبي، وعبدالسلام التميمي، وعبدالله شنون، وخالد المعني، وعدد آخر من المبدعين ، حيث أسهموا جميعًا في تجسيد الشخصيات بروح واقعية عكست تفاصيل البيئة العُمانية، وأبرزت الصراع الإنساني والاجتماعي الذي تحمله أحداث القصة.
أخرج المسلسل المخرج السوري تامر إسحاق، الذي يمتلك تجارب إخراجية كثيرة؛ فقد عمل مع كبار النجوم والمخرجين السوريين مثل الراحل حاتم علي ونجدت أنزور، وله تجارب سابقة في إخراج مسلسلات تراثية بارزة مثل الدبور وزقاق الجن وحرملك وخاتون و وردة شامية، وقد انعكس هذا الرصيد الفني على المعالجة البصرية للعمل، فبرزت الصورة بعناية خاصة بالتفاصيل التراثية والبيئة الطبيعية.
أما الإشراف العام على العمل فقد تولّاه يوسف الحاج، فيما جاء الإنتاج بدعم وإنتاج تلفزيون سلطنة عمان، في خطوة تعكس اهتمام المؤسسة الرسمية بدعم الدراما الوطنية وتعزيز حضورها في المشهد الإعلامي والثقافي.
تكمن أهمية الدراما الاجتماعية والتاريخية في قدرتها على توثيق الذاكرة الجمعية، واستحضار الموروث الشعبي في سياق فني معاصر. ومسلسل “القافر” يمزج بين البعد التاريخي والهمّ الاجتماعي، فيجسّد معاني الصبر والانتماء والتكافل، ويعكس تنوّع اللهجات العمانية والعادات والتقاليد التي تشكل ملامح الهوية الوطنية،
كما يفتح العمل المجال أمام دعم الطاقات الشابة في التمثيل والإخراج والكتابة، مؤكدًا أن الدراما العُمانية قادرة على المنافسة عربيًا متى ما توفرت لها النصوص القوية، والكفاءات الفنية، والرؤية المؤسسية الواضحة، لتبقى الدراما أداة وعي وهوية وجسرًا يصل الماضي بالحاضر والمستقبل.
يعكس نجاح العمل ضرورة استمرار دعم إنتاج مسلسلات تُعنى بالشباب وتستثمر مواهبهم، وتفتح أمامهم آفاقًا إبداعية تُواكب العصر مع الحفاظ على هوية المجتمع وروحه، فـ”القافر” يؤكد أن الدراما ليست مجرد ترفٍ بصري، بل أداة لبناء الوعي الثقافي، وتغذية الانتماء الوطني، وإشراك الجمهور في رحلة فهم الذات والمجتمع، لتصبح كل قصة مروية دعوة للتأمل، ومصدر إلهام للجيل الجديد، ورؤية مستقبلية للفن العُماني المعاصر.



