2024
Adsense
مقالات صحفية

عش يومك فقط ودع القلق

لولوة القلهاتي

في حياة كل إنسان مِنّا تجارب جربها ومواقف وقفها ومخاطر ومشكلات وأمراض تعرض لها، أخذت من عمره ووقته وصحته وأنهكته بلا شك. سواء أكانت تجارب ومواقف جيدة أو سيئة فهي كلها منهكة ومستهلكة ولها ثمنها من أعمارنا.
فالحياة تسيل سيلاناً من بين أيادينا ولا نستطيع الإمساك بها.
تمضي الأيام والشهور والسنين بحلوها ومرها، بجدها وهزلها، بجمالها وقبحها، أحببناها أم كرهناها ستمضي، قبلناها أو رفضناها ستمضي فالأمر سيان.
هي هكذا تسير بنا، ولا تنتظر إذناً مني أو منك. يبدأ اليوم وتمضي ثوانيه ودقائقه وساعاته رغماً عنك. تولد رضيعاً ثم تصبح فطيماً وتصير طفلاً ثم صبياً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً ثم تهرم ثم تموت.
ما هي حيلتك وحيلتنا جميعاً إزاء هذه السيرورة الحياتية المعدّة سلفاً لنا من لدن الخالق جلت قدرته؟
هل يمكنك إيقاف دولاب الزمن المتحرك؟
نحن في هذه الحياة يسير كلّ منا في طريق عالمه الخاصّ والذي قد يلتقي أو يتعاكس أويتقاطع أويتوازى مع طُرق وعوالم الآخرين على هذه الأرض.
والشيء المثير الذي يدعو للتأمل فعلاً أن كل فرد في إطار عالمه الخاص هو جزء بطريقة أو بأخرى من عالم الآخرين، وهو كذلك يبدأ في السير في عالمه وطريقه من نفس النقطة التي ينطلق منها غيره وهي لحظة (الميلاد) ويتجه اتجاهاً جماعياً إلى ذات الوجهة النهائية المحددة سلفاً، والتي ستنتهي عندها رحلته الدنيوية وهي لحظة (الموت)، فهل يمكن لأحد الاعتراض ووقف هذه السيرورة الحتمية؟
وإني لأعجب أشد العجب من ذلك الإنسان الساخط الذي يظن أنه قادر على تغيير خط السير هذا من المبتدأ إلى المنتهى! وإن العاقل ليعلم أن جُلّ ما يستطيعه أيّ امرئٍ مِنا إزاء دفق الحياة هذا، هو الجريان معه. فأنت لا تستطيع تغيير خط سير الرحلة ولكنك تستطيع العيش فيها والاستمتاع بها والتكيف معها وتكييفها وفق ظروفك ومحددات شخصيتك وقدراتك ومواهبك وعلمك وحاجاتك ونمط حياتك، واستغلال الفُرص والمِنح والسوانح متى ما سنحت لك.
هل الحياة سهلة فعلاً؟
إن أردت الاستمتاع بالحياة فاقبلها وأقبِل عليها، وليس مطلوب منك أن تفلسفها وتضع لها نظرياتك الخاصة، فهي كتاب مجرب قرأه كلّ من مرّوا قبلك في القرون السالفة، وبيانات كتاب الحياة مفتوحة المصدر وغير مشفّرة. وعليك ألّا تصعّبها، فالحياة جدّ بسيطة ومعادلاتها سهلة، وألّا تقف أمام تيارها فهو سيجرفك حتماً، ولا تكن جامداً يابساً كعود في شجرة ميتة أمام متغيرات الحياة فهي ستكسرك وتطيح بك وتتجاوزك بأحداثها وعلومها وتقنياتها وقوانينها.
يقول هيرقليطس الفيلسوف اليوناني القديم عن قانون التغير: “كل شيء يتغير إلا قانون التغير. إنكم لا تهبطون نهراً بعينه مرتين، فالنهر يتغير كل ثانية، وكذلك الرجل الذي يهبطه. فالحياة في تغير لا ينقطع، والشيء الأكيد في هذه الحياة هو اللحظة التي نعيش فيها، فلماذا نشوه جمال لحظتنا هذه ويومنا هذا، بحمل هموم المستقبل الذي يخضع لقانون التغير”.
هل القلق علاج؟
حينما ألمّت بي آلام المرارة لأشهر عدة وفقدت معها كل طعم طيب للحياة كان الإجراء الوحيد للتخلص من تلك الآلام المبرحة هو عملية جراحية لاستئصالها لأن الأدوية عجزت عن احتواء الإلتهاب والسيطرة عليه. حينها تقرر دخولي المستشفى والخضوع للعملية بشكل عاجل، وفي ليلة العملية زارني في الغرفة طبيبين متدربين فوجداني على سريري أقرأ كتاباً مما جعل أحدهما يعلق مازحاً: “تقرين كتاب ما شاء الله ومبين إنك مرتاحة مع إن عمليتك أول الصبح؟”
هززت رأسي وابتسمت وقلت له: “وماذا يمكنني أن أفعل إزاء الأمر يا دكتور؟ التهبت المرارة لسبب أجهله وساءت حالتها وانقضى الأمر وقرر الأطباء استئصالها وتقررت العملية بشكل عاجل غداً صباحاً كما ذكرت أنت. فما الذي سيجلبه عليّ التوتر والقلق والتفكير غير ارتفاع ضغط دمي ومن ثمّ تأجيل العملية، وسأبقى أعاني شدة الألم ليوم آخر أو يومين أو أكثر حتى يستقر الضغط. إن العملية وإجراءاتها هو عمل الأطباء والكادر الطبي المساعد وكل ما عليّ فعله هو الاستسلام للإجراءات والتسليم لله. فإن سارت الأمور على خير فالحمد لله وإن لم تكن كذلك فالحمد لله ولكل حادث حديث”.
والخلاصة أنك لن تقدر على إيقاف عجلة الحياة فلِمَ تصرّ على الوقوف أمام اندفاعها لتصدمك وتجعلك أسفلها وتمضي؟ إن الشيء الذي ليس بيدك زمام أمره وليس بمقدورك تغييره ولا تغيير مساره لا ينبغي عليك القلق بشأنه ولا التفكير به من أساسه، لأنك غير معنيّ به أصلاً فهو يقع في دائرة اختصاص وعمل غيرك. فكّر في الشيء الذي يعنيك وبيدك زمام أمره ويمكنك علاجه. أخضِع ما أشكل عليك وأتعبك للفرز كل مشكلة على حِده دون تضخيم ولا تقزيم، وحاول إيجاد أصل المشكلة وتتبع خيوطها ومن ثم ستجد حلاً لها ثق بذلك. صبّ كل اهتمامك على عملك الذي بين يديك اليوم وما تم تكليفك به من مهام دون زيادة أو نقصان وآوي إلى فراشك في نهاية اليوم وضع رأسك على المخدة ونم مطمئناً فقد أديت ما عليك وأنهيت يومك بنجاح وأغلقت دفتره بكل ما مرّ فيه. فالغد يوم جديد وميلاد جديد وسعي على دروب الحياة، وهو يوم مختلف له ظروفه ومقاديره وسعيه في حينه وساعته”، وفي الغد ميلاد عمر جديد لقوم يعقلون”.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights