انشغالك بالتفاهات .. يسرقك من ذاتك

سليمان بن حمد العامري
هل فكرت يومًا… كم من عمرك أفنيته في أمرٍ لم يُخلق لك؟ كم من وجعٍ حملته لم يكن وجعك، وكم من معركةٍ خضتها ولم تكن لك فيها ناقةٌ ولا جملٌ؟ نمضي كثيرًا من أعمارنا نُطارد ظلالًا، نُمسك الهواء، نتصارع مع ذكريات مضت، وأشخاص لم يعودوا هنا، وأحداث لا يمكن إعادتها، نتصرف كأن الماضي مدينٌ لنا بشيء، وكأن الجرح سيُشفى إذا فتّحناه كل ليلة.
نركض خلف كل كلمة تُقال، نُفسر كل نظرة، نُراقب كل حركة، وننسى في زحام كل هذا أن أعمارنا تتسرب من بين أصابعنا. نُتقن القلق، ونتفنن في جلد الذات، ونُفرط في التحليل،ثم نبكي: لماذا لا نشعر بالراحة؟ قال أحدهم: من عاش يُرضي كل العيون، مات في قلبه ألف مرة.
ننشغل بالناس أكثر من انشغالنا بأنفسنا، نخوض حروبًا لا تُشبهنا، نحفر في وجوه الآخرين بحثًا عن حقيقتنا، ونهدر طاقتنا في صغائر الأمور، نُضخّم السخافات ونغفل عن المعاني، ولعل هذا ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
فما الذي يعنيك حقًا؟ ما الذي يستحق أن تُبقي عليه قلبك مشغولًا، وعقلك مثقلًا، ونفسك منهكة؟
نحن بحاجة إلى عقلٍ يُحسن الميزان، يعرف متى يُقبل ومتى يُعرض. علم المنطق، كما يقول أهل العلم : آلةٌ تُعصم بها الأذهان من الزلل. نحتاجه لا لنُجادل به الآخرين، بل لنُنقذ به أنفسنا من الضجيج الداخلي، ونُميز ما ينبغي حمله وما ينبغي تركه.
ومع العقل، نحتاج إلى اللامبالاة… لا بمعناها البارد، بل العميق. أن تتعلم كيف تُعرض عمّا يؤذيك، كيف تُغلق النوافذ التي تأتيك منها رياحٌ لا تُنعشك. أن تسمح للأشياء أن تمرّ دون أن تسرق منك عمرك. اللامبالاة هي ذروة الاتزان: أن لا تُطفئ قلبك في كل موقف، ولا تُذبل روحك في كل كلمة.
تذكّر: لم تُخلق لكل معركة، ولا لكل الناس، ولا لإرضاء الجميع بل خُلقت لتعمر الأرض، لتنهض بنفسك، لتبلغ نورك، لتطلب علمًا، وتصنع أثرًا، وتمضي بقلبٍ سليم.
ولأجل ذلك، عليك أن تكون مع الناجحين… أن تجالس أصحاب الهمم، وتُشعل في نفسك نار الطموح، وتفكر لا كيف تُرضي الناس، بل كيف تنال رضا الله. أن تجعل لحياتك هدفًا، ولعمرك معنى، ولخطواتك اتجاهًا نحو الفوز الحقيقي: الفوز بالآخرة.
النجاح لا يُقاس بكثرة المال، ولا بضجيج الأضواء… بل بقلبٍ عرف طريقه، وعقلٍ يُفكر فيما يُرضي ربه، ونفسٍ تسعى لترتقي. فكّر في حياتك: ماذا تُقدّم اليوم لتُحسن لقاء الله غدًا؟ ماذا تزرع في نفسك وفي غيرك، ليكون لك نورًا في يومٍ لا ظل فيه إلا ظله؟
اترك عنك المعارك الصغيرة، والتفاهات، وسوء الظن، والانشغال بما لا يعنيك… وانطلق نحو ما يُشبهك. نحو علمك، نحو مستقبلك، نحو رضى ربك. إن الله لا يُغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم (الرعد: 11).
وابدأ بنفسك.
لا تُورّط نفسك في أوحال المقارنات، ولا تخض حروب الكلام، ولا تسكن في ظلال الغيرة. كلما انشغلت بمن حولك أكثر من انشغالك بنفسك، جعلت خصمك أقوى، وجعلت قلبك أضعف. افتح عينيك… هذه حياتك، فهل هذا ما كنت تحلم أن تكونه؟ مجرد ردّة فعل؟ كومة من الغضب المكبوت والندم المزمن؟ أم أنك تريد أن تترك أثرًا… أثرًا يستحق أن يُذكر؟
الحياة لا تنتظر أحدًا… والأيام لا تُعاد. فاترك أثرًا حسنًا… قبل أن تُترك.



