السبت: 14 مارس 2026م - العدد رقم 2854
قصص وروايات

سحابة ميم

منال السيد حسن

يقول المنفلوطي ” إن الله قد خلق لكل روح مِن الأرواح روحاً أُخرى تُماثلها و تُقابلها .. و تسعد بلقائها .. و تشقى بفراقها  ”
لم يكن ذلك النداء الذي اجتثها من صمتها عاديا .. لم يكن عاديا أبدا.

شيء ما جرفها و المحال .. شيء دفعها للخروج على هدوءها و صمتها .. شيء تسامى بروحها حد التأمل .. حد ابتغاء من يماثلها بذات اللحظة عند لقاءهما.

شيء ما كان يتجول بروحها باحثا عن ملجأ لها .. ملجأ يشابهها حد أن يكونا هما في نفسهما كالواحد في نفسه.
و أن يكونا هما في تقلب أمزجتهما حين يمتزجا.

شعور جعلها تسأل -لماذا يا الله؟!- و الله ليس اعتراضا على حكمتك و هي حكمتك .. و ليس شكا في رحمتك و هي رحمتك .. و لكنها تساءلت لأنها ذابت من الآلام التي عصفت بها .. -لماذا يا الله؟!- استغاثةً لضعف حالها و هشاشة قلبها..

شغف مختلف تلمس قلبها .. شغف عانق شغاف روحها و أعاد الحياة إلى النبض الذي قد توقف ذات خذلان ما زال عالقا بها.

هي ليست قلقة أبدا بشأن حالها الجديدة .. رُغم التردد الغريب الذي يسكنها .. و الإرتباك الذي يشتعل حين تراه.
الإرتباك الذي يردد “أريدك دون أية آمال كاذبة .. لا شيءٌ آخر لا شيء”.

التقيا فسُحبتْ نفسها إلى نفسه .. و أزهرت أقحوانة العناق .. و اخضوضرت صدورهما ..
و لفرط الشعور الذي نبت بداخلها .. شعرت بالخوف ..
قالت في ترقب لحالها .. إنها روعة البدايات!!
و مر بها شريط حياتها  .. كم خذلت؟! .. خرجت الآه منها ممزوجة بالخوف و التمرد .. و تساءلت سؤالها الدائم؛ “لماذا يا الله؟!” و الله ليست قلة إيمان بقضاءك  .. و لكنك الله .. تعلم حال قلبي .. و ضعف حاجتي التي  أضع حولها سلكا شائكا على الدوام و وحدك تعلم .. إنه قلبي يا الله .. ضعيف تائه الخطى”

رق حالها أمام حنانه .. و دفء الوقت معه .. سلبها تمردها .. فأهدته تمنعها و جوفها يصرخ “بلى”.
وضع الشِعر في قلبها خُطى الأمل  .. و رسم سحب بين ضلوعها تنتشي بالبهجة..
إنها لذة جني ثمار الشعور ..
انتفاضة تتسامى بك و تسبح بك كالرؤى في مجرة جديدة للعشق  ..
بنى لها عشا في مقلتيه -و هو حلو المقلتين-
روحه وسيمة ..  وسيمةً جدا .. تنثر البهجة في جنباتها..
فعمها بظلال الحب و نداه البهي..
-فرقصت لأجلها الفراشات-
هي و هو كلاهما سقطا داخل الآخر  .. و كلاهما لا يبوح ..
ثمة مشاعر جمالها في عدم البوح بها .. جمالها في التلذذ دون التصريح  .. ماذا يساوي في الدنيا شعور أن تغمض عينيك و تسبح بعيدا كأنك داخل جنة لا يفقه من بداخلها شيء سوى لذيذ الشعور..
أوقظ بداخلها حلو الغمضِ و أناقة ابتسامته..
نظرته أشهى ما تُلاقي!!
صمته أدهى من أن يفك شفراته سوى إحساسها..
هي لا تحبه .. هي فقط منبهرةً بالعالم الذي يصنعه لها .. بتفاصيله المبهجة .. لا يمل سردها للحكايات .. يبتسم لتفاهاتها الصغيرة .. يتفهم طبيعة نفسها .. يجردها من ثوب التجمد إلى لين الحِس و رهف الشعور.

هي لا تحبه .. لكنها لا تستطيع النوم إلا إذا قرأت محادثاتهما كلها .. تقرأها في كل مرة كأنها المرة الأولى .. و تتمنع عنه خشية ملالته.

تضعفها الاضاءات الخافتة في الشوارع ليلا .. تخضع حينها حنينا إليه .. ثمة مشاعر لا نعرف كيف نبوح بها حين نبوح .. ثمة مشاعر تنفض بالقلب إلى أخمص أعماقه .. و تقتلع الأنفس و لا تردها إلا حين تذكرها لتنهيداته التي يخفيها داخله.

ويح القلب الذي يحمل الشعور و لا يستطيع البوح به .. لأول مرة لا يستطيع.

ويح الشعور الذي علم العصافير مدارس الطيران .. و علم حروف العشق النجاة -أحيانا- من الكتابة كي تحتفظ برونقها.

ويح الشعور الذي علم الغيمات كيف تدق شبابيكنا النرجسية .. و كيف يرتبك الكون في حضرة بهاءه.

ويح الشعور الذي جمع ميمين على عرش الحروف فأثمرت تفاحة البلاغة من بعد نضوجهما.

يمر اليوم و لا يمر .. لا يزال حالها من حالها .. يبتدأ على ضفة رسالته .. و ينتهي عند آخر حرف له بنهاية اليوم.

ويح يومها حين يخبئ بداخله طيورا اصطفتها شمسه مع براءة الماء و اخضرار الأسئلة المتوقفة على حافة شفاههما.

ويح الوقت حين يتفتح على نافذة الأزهار و يعم المساء دونه .

به الطريق إلى الزمن الجميل .. و هي لا تريد سوى زمنه .. لا تريد سوى أن يسافر في رؤاها .. و يعهدها بالبقاء .. البقاء و فقط.

كل الذين -عبروها- مروا دون بقاء .. لم تختر منهم أحدا برغبتها .. ولكنها وبكامل وعيها ونضجها تريده هو .. تريده بالموت أو بالحياة، و لا أحد يستطيع أن يقسم الوردة إلى نصفين في فجر الحنين .. و لا في ثورة الأمل .. و لا في سحب الإنتظار  .. و لا في رئة الصمت .. ولا في دغدغة الشعور .. ولا في دغدغة الشعور.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights