مقالات صحفية

رحلة إلى الذات

د. سعود ساطي السويهري
استشاري العلاج النفسي

تُعدّ النفس البشرية أعظم أسرار الوجود، فهي العالم الأكبر الذي انطوى في هذا الكيان الصغير. إنها الرحلة التي لا يحتاج فيها الإنسان إلى قطع المسافات بالأقدام، بل إلى اختصار المسافات بينه وبين حقيقته. ولو تأملنا لوجدنا أن نعم الله على الإنسان لم تقتصر على ما يحيط به من شجر وحجر، بل إن النعمة الكبرى هي النفس في حد ذاتها؛ هذا الكيان القادر على الإدراك والشعور والاتصال بخالقه.

لقد وهبنا الله نفسًا تحمل بذور القوة والمرونة، وزوّدها ببصيرة تمكّنها من التمييز بين الحق والباطل، والجمال والقبح. إن قدرة الإنسان على الشعور بذاته هي أولى درجات التكريم الإلهي، وهي الأمانة التي تجعل منا كائنات أخلاقية قادرة على التغيير والارتقاء.

لكن هذه النفس، رغم تكريمها، لا تعيش في معزل عن كبد الحياة. تبدأ رحلة الأعماق غالبًا حين تصطدم النفس بمرارة التجربة، فالحياة ليست خطًّا مستقيمًا من الرخاء، بل مراحل تتراوح بين الانكسار والترميم. إن الرحلة إلى أعماق الذات هي أصعب الرحلات وأجملها في آنٍ واحد، وهي رحلة تكسرنا لنبنى من جديد بصورة أقوى وأكثر حكمة.

فكل ألم مررنا به كان أشبه بمشرط جرّاح يزيل الزوائد التي حجبت عنا نور بصيرتنا. لذا، ابحث في أعماقك، فثمة كنز من السلام ينتظر من يجرؤ على الإبحار. وإذا ما صادفك ألم أو معاناة، فإن سبيل تجاوزها الحقيقي يكمن في المواجهة والتحدي والإصرار.

إن الخروج من نفق المعاناة لا يكون بالهروب منها، بل بالعبور من خلالها. ووفقًا لدروس هذه الرحلة، تتبلور سبل الخلاص في الخطوات التالية:

1- إعادة صياغة القصة الشخصية:
غالبًا ما يسجن الإنسان نفسه داخل رواية حزينة عن حياته، فيرى نفسه ضحيةً للظروف أو للأشخاص. وتبدأ سبل الخروج من إعادة تفسير الأحداث، لا بوصفها كوارث، بل باعتبارها دروسًا وتجارب صقلت الشخصية ومنحتها عمقًا ما كان ليوجد لولا تلك الضغوط.

2- المرونة النفسية والبحث عن النجاة:
تكمن سبل النجاة في فهم لغة النفس، وألّا نسمح للمشاعر السلبية، كالغضب واليأس، بأن تقود السفينة.

3- القبول والتسليم:
أولى خطوات الشفاء هي الاعتراف بالألم وعدم إنكاره. والتسليم لا يعني الاستسلام، بل يعني اليقين بأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن في طيات المحنة منحة إلهية مخبوءة. كما يعني التحول من التمركز حول الألم إلى التمركز حول الأمل، والإيمان بأن الضيق ليس إلا نفقًا يؤدي إلى اتساع أكبر في الوعي والإدراك.

4- التزكية والتنقية:
رحلة الأعماق تتطلب التخلص من الأثقال الزائدة؛ كالكراهية، والحسد، وجلد الذات المستمر، واستبدال هذه المشاعر بالتسامح الذاتي الذي يمنح الروح خفةً للطيران مجددًا.

5- الاتصال بالله:
فالعودة إلى الله ليست مجرد طقوس، بل هي حالة من الالتجاء القلبي الذي يمنح النفس سكينة لا تزعزعها عواصف الدنيا.

6- الوعي باللحظة:
فالمعاناة غالبًا ما تعيش في الماضي أو المستقبل، أما الخلاص فيسكن في اللحظة الراهنة، والعيش بوعي وامتنان للحاضر يكسر قيود القلق.

7- إن رحلة الذات هي رحلة اكتشاف:
يفتح الإنسان فيها عينيه المغمضتين، ويبصر الحقائق النفسية المفقودة، ويعي ذاته كما ينبغي أن تكون في أوج طبيعتها ورضاها.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights