حين نختار أنفسنا
زينة بنت سليم البلوشية
المقدمة ..
في الوقت الحالي، أصبح اختيار النفس يُنظر إليه وكأنه غرور وأنانية وتكبّر، وأصبح من يُقدّم نفسه أولًا هو الشخص الذي لا يفكر سوى في ذاته، بينما يُنظر إلى من يقدّم الآخرين على نفسه باعتباره الشخص المحترم الذي يقدّر العلاقات ويحرص عليها. واقعٌ يُفضّل فيه تقديم الآخرين على تقديم النفس، حتى أصبحت كثير من الصداقات تتدمّر بسبب هذا التفكير غير الصائب.
كم هو صعب التعايش مع هذا المجتمع الذي ينظر إلى الأمور بطريقته الخاصة، ولا يستطيع تقبّل أن حب النفس واختيارها ليسا أنانية أبدًا، بل على العكس تمامًا؛ فقد يكون اختيار النفس أحيانًا ضرورة، وليس أنانية.
يا ترى، قبل الحكم على الآخرين، ألم تطرحوا على أنفسكم سؤالًا: هل من يختار نفسه في كل مرة أناني، أم أنه شخص واقعي يعرف ما يحتاج إليه؟ وقبل أن تحكموا على الآخرين وفق نظريات لا صحة لها، اطرحوا على أنفسكم أسئلة، وحاولوا أن تجيبوا عنها بصدق.
الموضوع ..
نعم، في بعض الأحيان، هناك أشخاص يتجاوزون المعنى الحقيقي لتقديم النفس، فيتحول الأمر لديهم إلى غرور وتكبّر، ولكن، على الرغم من ذلك، فإن وجود هذه الفئة لا يعني أن نحكم على الآخرين جميعًا بناءً على تصرفات فئة معينة. فكم من أشخاص أحبّوا أنفسهم، وقدّموا أنفسهم، ووضعوا حدودًا تحمي راحتهم وكرامتهم، وكان ذلك بالنسبة إليهم صورة من صور حب النفس وتقدير الذات.
والمشكلة الفعلية لا تكمن في أن يحب الإنسان نفسه أو أن يقدّمها أحيانًا على الآخرين، وإنما تكمن في المفهوم الخاطئ الذي ترسّخ لدى البعض؛ إذ زُيّن لهم أن حب النفس يعني التكبر على الآخرين، والسيطرة عليهم، والتعامل معهم بفوقية، وهذا في حد ذاته مفهوم خاطئ.
وفي مواقف كثيرة لا تُحصى، أصبح حب النفس يُفهم على أنه تجاوز للحدود مع الآخرين، وإنكار لمعرفتهم، وعدم الرغبة في التواصل معهم أو بناء العلاقات، وكأن اختيار النفس يعني بالضرورة الابتعاد عن الجميع.
يا ترى، هل هذا هو المفهوم الصحيح لحب النفس وتقديمها على الآخرين، أم أن حب النفس يختلف تمامًا عمّا يفعله هؤلاء؟
قال رسول الله ﷺ: «إنَّ لِنَفْسِكَ عليكَ حقًّا»، رواه البخاري.
وفي هذا الحديث دليل على أن لأنفسنا علينا حقًّا، فليس من الضروري أن يكون تقديم النفس على الآخرين إضرارًا بهم، بل علينا أحيانًا أن نختار أنفسنا ونمنحها حقها، وليس بالضرورة أن يكون ذلك بدافع التكبر أو الحقد.
فالحقد والتكبر لهما معنى مختلف تمامًا عن حب النفس وتقديرها.
قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر»، رواه مسلم.
وهذا الحديث يبيّن خطورة الكِبر والتعالي على الآخرين، فالكِبر ليس هو أن يحب الإنسان نفسه أو يقدّرها، وإنما هو أن يتعالى على الناس ويرفض الحق ويحتقر الآخرين.
لذلك، فإن حب النفس وتقديمها على الآخرين يختلفان اختلافًا تامًا عن التكبر؛ فأن أختار نفسي لا يعني أنني أرى نفسي أفضل من غيري، وأن أتكبر على أحد.
فحب النفس هو أن أحترم ذاتي وأقدّرها، وأن أجعلها تشعر بالقوة والإيجابية، وأن ألبي احتياجاتها ورغباتها بما لا يضر الآخرين. فليس من الخطأ أن أختار راحتي أحيانًا، أو أن أرفض أمرًا لا يناسبني، أو أن أبتعد عن موقف يؤذيني؛ فهذه ليست أنانية، بل هي معرفة بقيمة الذات واحترام لها.
الخاتمة..
لسنا مجبرين أبدًا على تفسير حبنا لأنفسنا للآخرين، ولسنا مجبرين على أن نبرّر لهم تصرفاتنا، بل علينا أن نوازن بشكل صحيح بين أن نحب أنفسنا ونقدّمها أحيانًا على الآخرين، وبين أن نتكبّر ونتعالى عليهم.
ويجب أن تكون لدينا المعرفة الصحيحة بكيفية حب أنفسنا، دون أن نتسبب في أي أذى أو جرح للآخرين. علينا أن نعرف المعنى الحقيقي لحب النفس قبل أن نحكم عليه أو نمارسه، وألّا نجعله يصل إلى حد الغرور والتكبّر.
فحب النفس يعني أن أُبدي احترامي لذاتي، وأن أقدّرها، وأن أعرف قيمتها، وأن أقدّر ما أقدّمه لنفسي من اهتمام ورعاية. وفي النهاية، لا يعني حب النفس أن أتعالى على الآخرين أو أن أضعهم في مكانة أقل مني، بل على العكس، حب النفس يعني أن أقدّر نفسي وأحبها كما هي، وأن أجعل الآخرين يتفهمون رأيي في حب النفس وتقديمها أحيانًا على الآخرين، حتى وإن اختلفوا معي.
وليس بالضرورة أن يكون تقديم النفس أحيانًا أنانية، بل لربما يكون دفاعًا عن حقوقي وأخذًا لمرادي، ولكن بالطبع دون التسبب في جرح الآخرين أو إيذائهم.
ولربما بعض الأشخاص لن يوافقوني الرأي الآن، ولكن حتمًا سيأتي الوقت الذي يجعلهم يعرفون ما معنى حب النفس وتقديم النفس على الآخرين.

