كسر عنق الزجاجة
سالمة بنت هلال الراسبية
عُرف عن المواطن العُماني وعقيدته الراسخة أنه ينتمي إلى وطن شامخ، بلدٍ ممتد في أعماق التاريخ، عزيز الجانب وعالي الهامة. حبه لبلاده هو نبض متجذر وولاء عميق لا تزلزله العواصف؛ فهو الإنسان الذي يقبل بفخر واعتزاز أن يعيش على الخبز والماء شريطة أن يرى بلاده عزيزة مكرّمة، ولا يتوانى لحظة في الذود عن حياضها وبنائها بجهده وعرقه.
لقد كشف الشارع العُماني عبر محطات التاريخ المختلفة عن وعي تام، وإدراك عميق، وذكاء وجداني فائق نحو وطنه ومقدراته، مما يجعل استفزازه بتصريحات منفصلة عن الواقع أمراً مرفوضاً.
وفي هذا السياق، أثار إعلان نتائج مسح دخل وإنفاق الأسرة صدمة وموجة استياء واسعة؛ حيث أشارت الأرقام إلى أن متوسط الدخل الشهري للأسرة العُمانية بلغ 1839.3 ريال عُماني، بينما قُدّر متوسط الإنفاق بـ 1058.8 ريال عُماني. هذه البيانات صُدّرت بلغة الأرقام الصماء والذكاء الاصطناعي، لتخلق فجوة شاسعة بين الإحصاء النظري وبين المعاناة الحقيقية للأسر تحت وطأة الالتزامات البنكية، والضرائب، وارتفاع الأسعار، وتحديات الباحثين عن عمل، وكأنها عملية “لكسر عنق الزجاجة” بدلاً من العبور الآمن بالناس.
إن الواجب اليوم يفرض على المسؤولين الخروج من خلف شاشات الحواسيب لمصافحة المواطنين والاقتراب من واقعهم، والتعامل مع هذا الشعب الواعي بما يليق بذكائه الوجداني. ولتضييق الفجوة وبناء جسور الثقة، نضع هذه المقترحات العملية:
*1. تطوير آليات الإحصاء*: الانتقال من نظام “المتوسطات العامة” الحسابية التي تدمج الرواتب العالية بالمنخفضة، إلى رصد “الدخل السائد والأكثر شيوعاً” ليعكس القوة الشرائية الحقيقية للمواطن البسيط.
*2. مراجعة السياسات المالية*: إعادة تقييم العبء الضريبي والرسوم الخدمية على ذوي الدخل المحدود والمتوسط، بما يتناسب مع نفقات المعيشة الأساسية الحالية.
*3. المصارحة والمكاشفة الميدانية*: تفعيل قنوات حوار دورية ومباشرة بين المسؤولين والشارع، لطرح التحديات الاقتصادية بشفافية كاملة والابتعاد عن لغة التعالي أو الوعود النظرية.
*4. الذكاء البشري قبل الاصطناعي*: إشراك الكفاءات الوطنية الميدانية ومؤسسات المجتمع المدني في صياغة القرارات التي تمس معيشة المواطن، لضمان ملامستها للواقع الإنساني والاجتماعي.
إن قوة عُمان الشامخة كانت وستظل تُستمد من التلاحم الصادق بين القيادة والشعب، واحترام وعي المواطن وتقدير تضحياته هو صمام الأمان الحقي لاستقرار وازدهار الوطن.

