الكمّة العُمانية بين التجديد والهوية. _هل نحتاج إلى كتابة الأسماء؟_
علي بن مبارك بن خلفان اليعربي
ليست كل إضافة جديدة إلى موروثنا الشعبي تطويرًا، كما أن المحافظة على الموروث لا تعني بالضرورة رفض التجديد. وبين هذين الطرفين تبقى مساحة واسعة من الأسئلة التي تستحق أن تُطرح بهدوء، بعيدًا عن التقديس المطلق للماضي أو الانبهار بكل ما هو جديد.
ومن بين تلك الأسئلة ما نشاهده اليوم من اتجاه نحو كتابة اسم صاحب الكمة العُمانية على واجهتها، باعتبار ذلك لمسة جديدة تمنح الكمة طابعًا شخصيًا وتميزها عن غيرها.
وقد يرى البعض في هذه الفكرة تجديدًا لطيفًا، خصوصًا عندما تنفذ الكتابة بطريقة متناسقة مع زخارف الكمة وألوانها. ولا شك أن للصناعة التقليدية مساحة مشروعة للتطور، وأن الحرفي المبدع يستطيع أن يضيف إلى المنتج التراثي دون أن يفقده روحه.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل كل إضافة تُعد تطويرًا؟ وهل كتابة الاسم تضيف فعلًا إلى جمال الكمة العُمانية وهويتها؟
في تقديري، المسألة ليست مجرد اسم يُكتب على قطعة من القماش، وإنما تتصل بفكرة أوسع: كيف ننظر إلى الموروث؟
فالكمّة العُمانية ليست غطاءً للرأس فحسب، وإنما قطعة ارتبطت بالبيئة العُمانية، وبالحرفة اليدوية، وبالتنوع في النقوش والألوان، وبذوق اجتماعي تشكل عبر سنوات طويلة. وجمالها في تفاصيلها وتناسقها وتلك الخصوصية التي جعلتها جزءًا من المظهر العُماني المعروف.
وعندما نضع اسم الشخص بصورة واضحة وبارزة على الكمة، فإننا نضيف إليها عنصرًا لم يكن جزءًا من تكوينها التقليدي. وقد يكون هذا مقبولًا من الناحية الشخصية، لكنني لا أراه بالضرورة إضافة جمالية؛ فالاسم لا يغير من شكل الكمة فحسب، وإنما قد يصبح هو العنصر الأكثر لفتًا للنظر، على حساب النقوش والتطريز الذي يمثل جوهر جمالها.
وهنا تبرز مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي الخصوصية.
فالكمّة في صورتها التقليدية تحمل هوية ثقافية واجتماعية عامة، بينما كتابة الاسم تجعلها أكثر ارتباطًا بشخص بعينه. وبمعنى آخر، تنتقل الكمة جزئيًا من كونها رمزًا مشتركًا في المظهر والموروث إلى كونها قطعة شخصية تحمل تعريفًا بصاحبها. وقد يجد البعض في ذلك تميزًا، بينما قد يراه آخرون نوعًا من إقحام الشخصنة في قطعة لا تحتاج أصلًا إلى تعريف بصاحبها.
ولا ينبغي كذلك أن نتجاهل النظرة الاجتماعية.
فما قد يراه شخص لمسة عصرية جميلة، قد يراه آخر خروجًا عن المألوف أو مبالغة في إظهار الاسم. ومهما اختلفت الآراء، فإن الموروث الشعبي لا يعيش بمعزل عن المجتمع؛ إذ إن الذوق العام والعادات وما استقر عليه الناس عبر الزمن كلها عوامل تؤثر في قبول أي تغيير أو عدم قبوله.
لكنني لا أرى أن الحل هو محاربة الفكرة أو السخرية ممن يختارها.
فمن أراد أن يكتب اسمه على كمته، فذلك خياره الشخصي، ولا ينبغي أن يتحول اختلاف الذوق إلى انتقاص من صاحبه. وفي المقابل، لا ينبغي أن نسارع إلى تقديم كل ممارسة جديدة باعتبارها تطويرًا للموروث لمجرد أنها جديدة أو لاقت رواجًا في وسائل التواصل الاجتماعي.
فالفرق كبير بين التجديد الذي يحافظ على روح الموروث، والتغيير الذي يكتفي بإضافة عنصر لافت إليه.
ولعل الأجدر بنا أن نطرح السؤال على الحرفيين والمصممين والمهتمين بالتراث: ما الذي يمكن أن نطوره في الكمة العُمانية دون أن نفقد هويتها؟ هل يكون التطوير في الخامات؟ في جودة التطريز؟ في الألوان المتناسقة؟ في ابتكار نقوش مستوحاة من البيئة العُمانية؟ في تطوير طرق المحافظة على الحرفة ونقلها إلى الأجيال الجديدة؟
هذه، في رأيي، أسئلة أكثر أهمية من مجرد إضافة الاسم.
فالتراث لا ينبغي أن يبقى جامدًا، لكنه في الوقت نفسه ليس مساحة مفتوحة لكل تغيير دون معيار. والتجديد الحقيقي هو الذي يضيف قيمة، لا الذي يضيف مجرد اختلاف.
ومن هنا، فإن النقاش حول كتابة الأسماء على الكمة ليس دعوة إلى المنع ولا رفضًا للتجديد، وإنما دعوة إلى وضع نقاط على الحروف: ماذا نريد من تحديث موروثنا؟ وهل نبحث عن تطوير حقيقي، أم عن لفت الانتباه إلى المنتج؟
إننا بحاجة إلى أن نمنح الحرفي العُماني مساحة للإبداع، ولكننا بحاجة أكبر إلى أن نمنحه وعيًا بقيمة ما بين يديه. فحين يكون المنتج جزءًا من هوية المجتمع، فإن الإبداع فيه لا يقاس بمدى غرابة الإضافة، وإنما بقدرتها على الجمع بين الأصالة والجمال والمعاصرة.
وفي النهاية، قد تكون كتابة الاسم على الكمة مناسبة للبعض، وقد لا تكون مناسبة لآخرين، وهذه مسألة ذوق شخصي. لكن القضية الأوسع التي تستحق أن نتفق عليها هي أن الكمّة العُمانية أكبر من أن تتحول إلى مجرد مساحة لكتابة الأسماء؛ فهي جزء من مظهرنا وهويتنا وتراثنا، وكل تجديد فيها ينبغي أن يكون على قدر هذه المكانة.
فليس السؤال: هل نستطيع أن نكتب أسماءنا على الكمة؟
بل السؤال الأهم: هل نحتاج فعلًا إلى ذلك حتى تصبح الكمة أجمل؟



