تحديات الاعتماد على العمالة الوافدة في التنمية الإدارية بسلطنة عمان خلال فترة السبعينات من القرن الماضي .. الجزء (٣)

سعيد بن خميس الهنداسي
الحالة الثانية: بعد عام من السيناريو المذكور في الجزء الأول، وبما أنني كنت أدرس بدولة الإمارات العربية المتحدة تحديدا أبوظبي، اصطحبني عمي ناصر، رحمة الله عليه، إلى مدير الشؤون الإدارية بالإدارة العامة للهجرة والجوازات الاتحادية الرائد علي الشامسي، وقال له: «هذا سعيد ولد أخي خميس، توفي والده وهو طفل صغير، وليس لديه معيل، يبحث عن عمل ليعتمد على نفسه، ومعه شهادة الصف الثاني الإعدادي، ونريد منك أن تتكرم بمساعدته في الحصول له على وظيفة»، لم يعتذر، ولم يحاول التهرب، بل قال لعمي كلامًا نابعًا من القلب، لا يزال أثره في نفسي إلى اليوم، «أنت احتويته وربّيته سنوات، ونسأل الله أن يأجرك على ذلك، أما نحن فنعتبر سعيد ولدنا ومنا وفينا، وهذه مذكرة مني إلى وزارة الداخلية، وإن شاء الله سيتوظف، ولن يقصروا معه، نسأل الله له التوفيق».
كان هذا نموذجًا آخر لأشخاص طيبين، راقين في أخلاقهم وتعاملهم، ويقدرون ظروف الآخرين ويشعرون بمعاناتهم، وبلا شك هم مكسب للإدارة والتنمية الإدارية، بعد ذلك توجهت إلى وزارة الداخلية قسم التوظيف، وبكل رحابة صدر تقبلوا الموضوع، إلا أن عمري آنذاك كان أقل من السن القانونية، وهي الثامنة عشر، ومع ذلك تجاوزوا هذه الإشكالية، ثم تم تحويلي إلى عيادة الشرطة لاستكمال الفحوصات الطبية، وتمت الأمور بكل سهولة ويسر، بفضل الله وتوفيقه، وخلال فترة بسيطة لم تتجاوز الشهرين، باشرت العمل بوظيفة شرطي كاتب في المديرية العامة للهجرة والجوازات، عملت في البداية مدني، وبعد أشهر أُلحقت بالتدريب العسكري المسائي، بينما كنا في الصباح نداوم في المكاتب، وبعد ثلاثة أشهر تخرجنا ولله الحمد.
هذه تجربة عشتها بنفسي ولذلك أقولها من باب الشهادة والإنصاف، لا من باب الانتقاص من أحد، إلا أن الفرق كان كبيرًا بين معاملة الموظف الأجنبي الهندي للمواطن العُماني في عُمان، وبين معاملة الإنسان الذي يحمل التقدير والاحترام للعُماني حتى وهو خارج وطنه، وليس المقصود من هذه الشهادة التعميم على شعب أو جنسية، فالأفراد يختلفون، وقد عرفت في حياتي نماذج مشرفة من مختلف الجنسيات، كما أنني أذكر بكل تقدير الضباط البريطانيين الذين تعاملوا معي في التجربة الأولى، وما أبدوه من اهتمام بنقل المعرفة وفتح الطريق أمام الكفاءات العُمانية، لكن القضية التي أريد التأكيد عليها هي أن التنمية الإدارية لا تكتمل بمجرد الاستعانة بالخبرات الخارجية، وإنما تكتمل عندما تنجح الدولة في نقل تلك الخبرات إلى أبنائها، وتأهيلهم لتولي المسؤولية، ومنحهم الثقة والفرصة، وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار من دون اعتماد دائم على الخارج.
الحالة الثالثة كانت بعد أن اكملت خمس سنوات في العمل، تقدمت باستقالة من العمل بأبوظبي، بهدف تحسين وضعي، وبما أنني صرت أملك خبرة عملية، فقد توظفت بعد أشهر بديوان البلاط السلطاني بوظيفة إدارية وذلك في عام ١٩٨٨م، وقد تم الاستفادة منا في مواضع مختلفة، وتم الاعتماد علي وعلى احد الزملاء، لاستلام العمل من الموظفين الأجانب الهنود الذين يمسكون بزمام اغلب الوظائف في الأماكن الحكومية في ذاك الوقت وقد تكون اماكن حساسة وكان يتطلب علينا تغير طريقة العمل في جميع الأوراق والكشوفات والسجلات والمراسلات والتقارير الانجليزية لتكون بالعربي مع صعوبة المهمة في تلك الفترة، إلا أن الموظفين الهنود كانوا يعطوا المعلومة بصعوبة أيضا، واحيانا يدعون عدم الفهم علينا (يتظاهرون بذلك)، وأحيانا يتعمدوا يعطونا المعلومة خاطئة، ليكسبوا شيء من الوقت وليثبتوا للمسؤولين أننا غير قادرين على أن نكون مكانهم، ومع تلك الصعوبات إلا أننا ثبتنا أنفسنا بالعمل وتم انجاز المهمة في حدود الوقت المحدد تقريبا وتم التخلص منهم، ثم بعد ذلك جاء دور المخازن وهناك كانت الأمور اصعب، لتعدد قوائم المواد وكثرتها، والمشكلة الأكبر عدم تعاون الموظفين الهنود معنا بالسرعة التي كنا نتوقعها، حتى يتم تجديد المهلة التي يحصلون عليها، وهذا هو هدفهم، لكن بالإصرار والتخطيط وصلت الإدارة للهدف المنشود، وبعد فترة أصبح الموظف العماني متسيد المشهد بشكل كامل.
الشاهد في الموضوع ان التحديات للعمالة الهندية كانت كثيرة ومتعددة الأشكال في كل القطاعات بل لا زالت مستمرة حتى يومنا هذا، بعكس العمالة الأجنبية الآﺧـرى التي خدمت البلاد وانتهاء دورها، لقد كانت الاستعانة بالخبرات الوافدة في بدايات النهضة العُمانية ضرورة فرضتها ظروف المرحلة، وقد أدت تلك الخبرات أدوارًا مهمة لا يمكن إنكارها، لكن التحدي الحقيقي كان، ولا يزال في كيفية تحويل الخبرة الوافدة إلى معرفة وطنية مستدامة، وتحويل المواطن من متلقٍّ للخبرة إلى صاحب خبرة وقائد للمؤسسة،
وهذه في تقديري هي الخلاصة الأهم من تلك المرحلة، وكما هو معلوم أن بناء الإنسان العُماني لا يقل أهمية عن بناء المؤسسة، وأن أفضل الخبرات الأجنبية هي تلك التي تترك خلفها كوادر وطنية قادرة على مواصلة المسيرة، وخلق تنمية إدارية حقيقية رغم التحديات.



