حبٌّ إلى مطرح (جدلية الذات والزمكانية)

إسماعيل بن حبيب الشكيلي
رغم معرفتي بقصيدة «حبٌّ إلى مطرح» للشاعر سيف الرحبي منذ زمنٍ ليس بالقريب، إلا أنني لم أدرك أبعاد النص إلا بعد تمعّنٍ عميق وقراءةٍ شعوريةٍ بعيدةٍ عن الضوضاء، ولربما ساعد ترددي الأخير إلى شواطئ مسقط الدوافعَ النفسيةَ على الوصول إلى هذا الشعور. لن أقدّم هنا نقدًا للنص، وإنما أكتفي بالحديث عمّا سطّرته في العنوان.
إن جدلية الذات وارتباطها بالزمكانية في هذه القصيدة تكشف لك أن القصيدة ليست نتاجَ لحظةٍ عابرةٍ قدّمها الشاعر نصًا يعبّر فيه عن عاطفةٍ عابرة، بل هي مجموعةٌ عميقةٌ من الذكريات والصور والمشاعر، تتفاعل في ذهن الشاعر ليُخرجها لنا مشاعرَ إنسانيةً ذاتيةً في قالبٍ تاريخيٍّ زمانيٍّ يصوّر فيه واقعيةَ المكان. لقد جسّد الرحبي الذاتَ في صورة كائنٍ حيٍّ داخل فضاءٍ مكانيٍّ راسخٍ وثابت، مهما تغيّرت ظروف الزمان.
عندما ابتدأت القصيدة بقوله: «حين تمدّدتُ أولَ مرةٍ على شاطئك الممتد»، تدرك تمامًا هذه الجدلية العميقة بين الذات والزمكانية؛ فـ«حين» زمانٌ محض، والفعل الماضي ينقل الذات إلى ذكرياتٍ راسخةٍ وثابتة، ثم يأتي التمدّد ليضفي على المشاعر الراحة والاستسلام والاستمتاع بسحر المكان. «شاطئ مطرح». بعدها يُبحر الشاعر بمخيلته، راسمًا صورًا للمكان من ذاكرة طفلٍ مستلقٍ، بمفرداتٍ مكانيةٍ جميلة، محافظًا على الهوية التاريخية للمكان، دون أن يغفل المشاعر النفسية التي أحاطت به.
لقد حوّل الرحبي المكان في قصيدته إلى كائنٍ حيٍّ يبني مع ذاكرة ذاته مشاعرَ متبادلةً في صورها المتنوعة، مع الجماد و الأحياء. هذا التناغم العجيب مزج المكان بالزمان مزجًا جعل مجرد ذكر المكان ترسيخًا تاريخيًّا للزمان: «هذه القلاع بقيت هكذا تحاور أشباحًا في مخيلة طفل».
إن الذات عند الرحبي في هذه القصيدة متأثرةٌ بالمكان، ليست تأثيرًا جغرافيًّا فحسب، بل جعله كائنًا حيًّا ينشئ معه مشاعرَ حاضرةً لدى الشاعر من خلال ذاكرة طفلٍ تفاعل مع المكان. فالمشاعر الحاضرة والذكريات الماضية رسمت تداخلًا زمانيًّا عميقًا في فضاءٍ مكانيٍّ مركّب. لقد رسم المكان «مطرح» لذات الشاعر هويةً راسخةً منذ الطفولة، حتى تحوّلت مطرح من مكانٍ ذي عمقٍ تاريخيٍّ إلى روحٍ حيّةٍ يخاطبها الشاعر. وبهذا تصبح مطرح ذاتًا أخرى يبادلها الشاعر مشاعر الحب من خلال حوارٍ عاطفيٍّ مكانيٍّ يربط الزمانَ بالمكان، والحاضرَ بالماضي. لقد غرقت مشاعر الرحبي هنا بين واقع الحب للمكان وهوية الانتماء إلى زمكانية مطرح بكل تفاصيلها.
لقد جسّدت قصيدة «حبٌّ إلى مطرح» جدلية الذات والزمكانية في صورٍ جميلةٍ متعددة رسمها الشاعر عبر أبيات القصيدة، ثم توّجها عندما قال: «حين تمددتُ لأول مرة كان البحر يشبه أيقونةً في كفّ عفريت». فكما أن الأيقونة — وهي رمزٌ دينيٌّ نصراني — تمثّل إنجيلاً مرسومًا في الكنائس، يخفي عمق العقيدة ويجسّد صورًا لرموزٍ دينيةٍ تاريخية، فإن الرحبي يجعل من كل تلك الصور التي حكاها في النص (شاطئ، سفن، جبال، صيادون… إلخ) أيقوناتٍ مؤطّرةً في ذات الشاعر، رسمها بمفردات قصيدته من خلال الاستعارات والصور التي ملأ بها النص، حيث استخدم مفردات الأسماء وحركة الأفعال المضارعة دلالة على الرسوخ والثبات للمكان المحمّل بزمانٍ ممتدٍّ يحكي تاريخ مطرح.



