مقالات صحفية

التقاعد ليس نهاية الطريق بل بداية فصل جديد من الحياة (11)

_الأحفاد مدرسة يعود إليها المتقاعد معلماً ومربياً_

بقلم علي بن مبارك بن خلفان اليعربي

حين يتقاعد الإنسان من وظيفته، لا يعني ذلك أنه تقاعد من دوره في الحياة، وربما يجد في أحفاده مساحة جديدة من أجمل مساحات العطاء.
فالأحفاد لا ينظرون إلى جدهم باعتباره موظفاً سابقاً أو صاحب منصب مضى، وإنما يرون فيه شيئاً مختلفاً تماماً؛ يرون الأمان، والحكاية، والخبرة، والحنان، وذاكرة الأسرة.
ومن هنا تبدأ علاقة مختلفة بين جيلين؛ جيل عاش مراحل كثيرة من الحياة، وجيل ما زال يكتشف العالم.
حين تتحول الخبرة إلى حكاية
يمتلك المتقاعد رصيداً كبيراً من التجارب، لكن نقل التجربة إلى الأحفاد لا ينبغي أن يكون في صورة محاضرات طويلة أو أوامر متكررة.
فالحكاية أحياناً تفعل ما لا تفعله النصيحة.
حين يحكي الجد لحفيده عن موقف مر به، أو عن تجربة تعلم منها الصبر، أو عن خطأ ارتكبه ثم أدرك أثره، فإن الحفيد لا يسمع نصيحة مجردة، وإنما يعيش تجربة إنسانية.
وقد تبقى في ذاكرته قصة سمعها من جده سنوات طويلة، ثم يستحضرها عندما يواجه موقفاً مشابهاً.
وهنا تتحول الخبرة من معلومات إلى معنى.
لا تفرض الماضي على المستقبل
من أكثر الأخطاء التي قد يقع فيها الكبار أنهم يريدون من الأحفاد أن يعيشوا الحياة بالطريقة التي عاشوها هم.
لكن الزمن يتغير.
الأدوات تتغير، والمهن تتغير، ووسائل التواصل تتغير، وحتى طريقة تفكير الأجيال الجديدة قد تختلف كثيراً عما عرفناه في شبابنا.
وهذا لا يعني أن الماضي فقد قيمته، وإنما يعني أن علينا أن نفرق بين القيم الثابتة والوسائل المتغيرة.
فالصدق قيمة، والأمانة قيمة، واحترام الآخرين قيمة، وتحمل المسؤولية قيمة، وبر الوالدين قيمة؛ أما الطريقة التي نعلم بها هذه القيم فقد تتغير من جيل إلى جيل.
لذلك لا يحتاج الحفيد إلى أن يكون نسخة من جده، كما أن احترام الماضي لا يعني رفض المستقبل.
الحكمة أن نعطيه الجذور، ونترك له مساحة ليصنع أغصانه الخاصة.
المتقاعد يتعلم من أحفاده أيضاً
العلاقة بين الجد والأحفاد ليست طريقاً باتجاه واحد.
فكما يتعلم الحفيد من جده، يستطيع الجد أن يتعلم من حفيده.
قد يتعلم منه استخدام تقنية جديدة، أو تطبيقاً إلكترونياً، أو طريقة مختلفة في البحث والوصول إلى المعلومات، أو حتى أسلوباً جديداً في التفكير.
وقد يكون هذا التبادل من أجمل صور التقارب بين الأجيال.
فبدلاً من أن يقول الكبير: نحن نعرف وأنتم لا تعرفون، يمكن أن يقول:
أنا أعرف شيئاً من الحياة، وأنت تعرف شيئاً من هذا العصر، فلنتعلم من بعضنا.
وهذه الروح قادرة على تغيير شكل العلاقة بين الأجيال.
الاستماع قبل التوجيه
الحفيد لا يحتاج دائماً إلى نصيحة.
أحياناً يحتاج إلى شخص يسمعه.
قد يأتي متحدثاً عن مشكلة في المدرسة، أو خلاف مع صديق، أو حلم يريد تحقيقه، أو فكرة تبدو للكبار بسيطة، لكنها بالنسبة إليه مهمة جداً.
إذا قاطعه الجد بالنصيحة قبل أن يكمل حديثه، فقد يفقد فرصة مهمة للتواصل معه.
أما إذا استمع إليه باهتمام، وسأله، وفهم مشاعره، ثم شاركه رأيه بهدوء، فإن النصيحة تصبح أكثر قبولاً.
وهنا تظهر قيمة الخبرة الحقيقية.
فالخبرة ليست أن نعرف ماذا نقول فقط، وإنما أن نعرف متى نقول، وكيف نقول، ومتى نكتفي بالاستماع.
لا تجعل المحبة مرتبطة بالطاعة
من المهم أن يدرك المتقاعد أن علاقته بأحفاده ليست سلطة جديدة يمارسها بعد انتهاء سلطته الوظيفية.
الحفيد يحتاج إلى جد يحبه، لا إلى مدير آخر.
وقد يختلف معه في الرأي، أو يرفض بعض نصائحه، أو يختار طريقاً مختلفاً.
وهذا لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة أو غضب.
فالعلاقة التي تقوم على المحبة تستطيع أن تستوعب الاختلاف.
أما العلاقة التي تقوم على الطاعة وحدها فقد تنهار عندما يكبر الحفيد ويصبح أكثر استقلالاً.
إن أجمل ما يمكن أن يتركه الجد في قلب حفيده ليس الخوف منه، وإنما الشعور بأنه كان دائماً شخصاً يستطيع الرجوع إليه.
صناعة الذكريات
من أجمل ما يستطيع المتقاعد تقديمه لأحفاده أن يصنع معهم ذكريات لا تُنسى.
جلسة حديث، رحلة قصيرة، قراءة كتاب، زيارة مكان قديم، تعليم مهارة، إعداد وجبة، أو حتى مشاهدة شيء يحبه الجميع.
قد تبدو هذه الأشياء بسيطة، لكنها مع مرور السنوات تتحول إلى ذاكرة عاطفية ثمينة.
فالطفل قد لا يتذكر كل النصائح التي قيلت له، لكنه يتذكر الشخص الذي جلس بجواره، وضحك معه، واستمع إليه، وشجعه عندما أخطأ.
ولهذا فإن الوقت الذي يمنحه المتقاعد لأحفاده ليس وقتاً ضائعاً.
إنه استثمار في الإنسان.
نقل تاريخ الأسرة
يمتلك الأجداد شيئاً لا يستطيع الإنترنت أن يمنحه للأحفاد: الذاكرة الحية للأسرة.
يعرفون أسماء من رحلوا، وقصص البيوت القديمة، ومواقف الآباء والأجداد، والتحولات التي مرت بها الأسرة والمجتمع.
وحين تنتقل هذه الذاكرة إلى الجيل الجديد، يشعر الحفيد بأنه ينتمي إلى قصة أكبر من حياته الفردية.
لكن نقل التاريخ يحتاج إلى حكمة أيضاً.
لا نريد أن يتحول الماضي إلى سلسلة من الشكاوى والمقارنات، ولا نريد أن نقول للأحفاد إن جيلنا كان أفضل في كل شيء.
بل نريد أن نقول لهم:
هكذا كانت حياتنا، وهذه الدروس التي تعلمناها منها، وأنتم أمامكم حياتكم التي ستصنعونها بطريقتكم.
القدوة قبل الكلام
ربما يكون أعظم درس يستطيع المتقاعد أن يقدمه لأحفاده هو أن يعيش القيم أمامهم.
إذا أردنا منهم الصدق، فليرونا صادقين.
إذا أردنا منهم احترام الآخرين، فليرونا نحترم الناس.
إذا أردنا منهم الاعتذار عندما يخطئون، فليرونا نحن نعتذر عندما نخطئ.
وإذا أردنا منهم الصبر، فليرونا كيف نتعامل مع الظروف بهدوء.
فالأطفال يتعلمون مما يرونه أكثر مما يتعلمون مما يسمعونه.
ولهذا فإن حياة المتقاعد بعد التقاعد يمكن أن تصبح درساً مستمراً لأحفاده.
حين يرونه يقرأ، ويتعلم، ويعمل، ويتطوع، ويحافظ على صحته، ويحترم أسرته، ويشارك مجتمعه، سيدركون أن العمر ليس عذراً للتوقف.
حين يصبح الجد معلماً للحياة
المعلم الحقيقي ليس من يكثر من الكلام، وإنما من يساعد الآخرين على اكتشاف الطريق.
وقد يجد المتقاعد في أحفاده فرصة ليكون معلماً بطريقة مختلفة.
لا يعلمهم المعلومات فقط، وإنما يعلمهم كيف يفكرون، وكيف يتعاملون مع الخطأ، وكيف يحترمون الآخرين، وكيف يتحملون المسؤولية، وكيف يواجهون الحياة.
وقد يقول لهم في موقف:
لا أخبرك بما يجب أن تختار، لكنني أخبرك بما تعلمته من اختياراتي.
وهذه طريقة راقية في نقل الخبرة؛ لأنها تحترم عقل الجيل الجديد ولا تصادر قراره.
والأجمل أن يبقى القلب شاباً
التقاعد لا يعني أن يعيش الإنسان بعيداً عن العصر.
بل ربما يكون أجمل ما يفعله أن يبقى فضولياً، يسأل، ويتعلم، ويستمع، ويجرب.
وعندما يرى الأحفاد جدهم يتعلم منهم، سيكتشفون أن التعلم ليس مرتبطاً بالعمر.
وعندما يرونه يبدأ مشروعاً أو يكتب أو يشارك في نشاط مجتمعي، سيدركون أن الحياة لا تتوقف عند سن معينة.
وهكذا يصبح المتقاعد قدوة لا بالكلام، وإنما بطريقة حياته.
أثر لا ينتهي
قد يرحل الإنسان يوماً، لكن بعض الأشياء التي زرعها في الآخرين تبقى.
وقد تكون أعظم ثروة يتركها المتقاعد لأحفاده ليست مالاً ولا ممتلكات، وإنما مجموعة من القيم والمواقف والذكريات.
قد يتذكر أحد الأحفاد يوماً موقفاً قال فيه جده كلمة غيرت طريقة تفكيره.
وقد تتذكر حفيدة نصيحة سمعتها في وقت كانت تحتاج إليها.
وقد يتذكر أحدهم كيف كان جده يقرأ كل صباح، أو يساعد الناس، أو يعتذر عندما يخطئ، أو يبتسم رغم الظروف.
هذه التفاصيل الصغيرة قد تصبح جزءاً من شخصية الإنسان.
ومن هنا فإن التقاعد يمكن أن يمنح الإنسان فرصة نادرة: أن يترك أثراً عميقاً في الجيل الذي سيحمل الحياة من بعده.
فالأحفاد ليسوا مجرد امتداد للعائلة، وإنما فرصة لامتداد القيم والخبرة والرسالة.
وإذا كان الإنسان قد أمضى سنوات طويلة يعمل من أجل بناء مستقبله ومستقبل أسرته، فإن من أجمل ما يمكن أن يفعله في مرحلة التقاعد أن يشارك في بناء الإنسان الذي سيحمل المستقبل بعده.
وهنا تصبح علاقة المتقاعد بأحفاده أكثر من علاقة عائلية.
تصبح رسالة.
فالجد الذي يمنح حفيده حباً، ويعلمه قيمة، ويحكي له تجربة، ويستمع إلى أحلامه، ويترك له مساحة ليكون نفسه، قد يكون قد أنجز أعظم مشروع في سنواته الأخيرة.
مشروعاً لا يحتاج إلى رأس مال، ولا إلى مكتب، ولا إلى منصب.
إنه مشروع الإنسان.
وقد يكون هذا هو المعنى الأجمل للتقاعد:
أن تتوقف عن الوظيفة، فتجد وقتاً أكبر لتشارك في صناعة الأجيال.
فما يزرعه الإنسان في أبنائه وأحفاده قد يستمر بعد أن تغيب يده، وتبقى كلمته، وتبقى قيمه، وتبقى سيرته.
التقاعد يطوي صفحة الوظيفة، لكنه لا يطوي صفحة الرسالة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights