مقالات صحفية

سدنةُ الكلمة… وحُرّاسُ الحقيقة

د. فاطمة الحوسنية

يُروى أن للكلمة مدينةً، لا تظهر على خرائط الأرض، ولا تهتدي إليها قوافل التائهين؛ فالطريق إليها لا يُقاس بالمسافات العابرة للحدود، بل بما يختزنه الحق من ثباتٍ ويقين، وما يحمله الضمير الحي من نورٍ للحياة.

وفي مدن الكلمات، تجلس الحقيقة على عرشٍ لا تصنعه تيجان السلطة، بل تغرسه قيم الإنسانية؛ كشجرةٍ أصلها ثابت، وفرعها في السماء، تؤتي أُكلها كل حين. لا يحيط بغراسها جندُ الضجيج العابر، وإنما سدنةُ الأقلام، وحُرّاسُ الكلمة الصادقة، تتدثر أرواحهم بالنزاهة الفكرية، لا بالزيف المقنّع تحت ستار الحقيقة.

وأما الكلمة، فسيدةٌ من نور. كلما أخلص لها كاتبٌ، ازدانت بثوب الوقار، وكلما خانها قلمٌ، نزعت عنه شرف الانتساب إليها، وتركته يتجول في أسواق الضجيج، يبيع الوهم كبضاعةٍ مزجاة، بثمنٍ بخس، لمن لا يميز بين الصدى وصوت الضمير.

ولطالما حاول الزيف أن يخطب ودَّ الكلمة. فقد جاءها مرةً متزينًا ببلاغة العبارة، وأخرى متعطرًا بعطر الشهرة، وثالثةً مرتديًا عباءة المصالح. لكنه كلما مدَّ يده إليها، انطفأ بريقه أمام وجهها الذي لا يقبل الزيف؛ لأن الحقيقة لا تعشق الأقنعة، والكلمة لا تهب قلبها إلا لمن يغسل قلمه بماء الضمير الحي.

وفي كل عصر، حين تشتد ظلمة الأوهام، تولد منابر الحقيقة ممن يخرجون في صمت، يحملون أقلامهم كما يحمل الرعاة مشاعلهم فوق القمم؛ فلا يوقظون المدن بالصراخ، بل بإشعال الضوء. وهم يعلمون أن الظلام لا يُهزم بكثرة اللعنات، وإنما بميلاد شمعةٍ واحدة تضيء الطريق.

هؤلاء هم سدنة الكلمة؛ فإذا عطشت الحقيقة، سقوها من ينابيع الصدق مدادًا من نور، وإذا أثقلها غبار التفاهة، مسحوا عن وجهها بأكمام الوفاء. وإذا طاردتها رياح الافتراء، فتحوا لها صدورهم قبل دفاترهم؛ لأنهم يعلمون أن الكلمات التي لا يحرسها ضمير شجاع، سرعان ما تتحول إلى رمادٍ تذروه الرياح.

وللكلمة عدوٌّ قديم، لا يحمل اسمًا واحدًا. تارةً يُدعى الهوى، وتارةً يُدعى التعصب، وتارةً يتخفى خلف قناع المنفعة المدنسة بوجه الحرية الفكرية. فيدخل المجالس مبتسمًا، ويجلس إلى موائد المثقفين، ويهمس في آذان الأقلام: «اكتبوا ما يُرضي الناس، ودعوا الحقيقة تنتظر».

غير أن الحقيقة لا تنتظر طويلًا؛ إنها تنهض كلما ظن الزيف أنه انتصر، كما تنهض الشمس من وراء الجبال، غير آبهةٍ بما نسجته الغيوم حولها. وقد تتأخر، لكنها لا تغيب؛ لأن الله أودع فيها سرَّ البقاء، كما أودع في الكلمة الصادقة قدرةً على أن تعيش بعد موت صاحبها.

وما التاريخ إلا مكتبةٌ عظيمة، لا تحفظ أسماء الذين أكثروا الكلام بهرجًا وزورًا، بل تحفظ أولئك الذين أنصفوا الكلمة بميزان الحق، ووقفوا في وجه الباطل. فكم من قلمٍ كان أشبه بسيفٍ من نور، قطع أوصال الباطل دون أن يريق دمًا، وكم من لسانٍ امتلأ بالبلاغة، لكنه ترك خلفه صحراءً قاحلةً من الخداع.

لهذا، لا تُقاس الأقلام بما تتركه من حبرٍ دافق، بل بما تتركه من أثرٍ صادق في سبيل الحقيقة. فالحبر يجف، أما الحقيقة فتظل تنبض في ضمير الزمن، تنتظر من يحمل مشعلها، ويحرس بابها، ويقف عند محرابها سادنًا أمينًا، لا يبيع مفاتيحها لعابرٍ يبحث عن مجدٍ زائف.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights