مولد طه شفيعنا

د. آمنة آل عبدالسلام
الحمد لله الذي أرسل إلينا خير خلقه، وأكرمنا بنور النبوة، وجعل في سيرة نبيه صلى الله عليه وسلم هدايةً للقلوب، ورحمةً للعالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، طه المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
إن الحديث عن مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليس حديثًا عن ذكرى عابرة تُستعاد كل عام، ولا عن مناسبةٍ تنقضي بانقضاء أيامها؛ وإنما هو استحضارٌ لمعنى الرسالة، وتجديدٌ للعهد بالمحبة والاقتداء، ووقوفٌ أمام أعظم سيرة عرفتها الإنسانية. ففي مولده أشرقت على العالم شمس الهداية، وخرج الناس من ظلمات الجهل والضلال إلى نور التوحيد والإيمان.
وُلد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، في عام الفيل، في بيئةٍ كانت قد أثقلتها الجاهلية بأوزارها، فكان مولده إيذانًا بميلاد عهد جديد؛ عهدٍ تتبدل فيه موازين القيم، فيعلو الإنسان بإنسانيته، ويُكرم الضعيف، ويُصان الحق، وتُهدم أوثان الجاهلية في القلوب قبل أن تُهدم في مظاهر الحياة.
لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة معروفًا بين قومه بالصدق والأمانة، ثم لما اصطفاه الله تعالى برسالته، حمل أمانةً عظيمة لم تقتصر على قوم أو وطن، بل امتدت رحمتها إلى العالمين. قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾. فكان صلى الله عليه وسلم رحمةً في تعامله، وعدلًا في حكمه، ورفقًا في دعوته، وتواضعًا في حياته، وثباتًا في مواجهة الشدائد.
ومن أجمل ما ينبغي أن نستحضره في ذكرى مولده أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست كلماتٍ تُقال، ولا مشاعرَ تُثار في موسمٍ ثم تخبو، وإنما هي محبةٌ يصدّقها الاتباع، ويشهد لها السلوك. فمَن أحب النبي حقًا، أحب أخلاقه، وتمسّك بسنته، واقتدى بصبره ورحمته وعفوه، وجعل من هديه ميزانًا لأقواله وأفعاله.
يا طه، يا من علّمت البشرية أن القوة لا تكون بالبطش، وأن العظمة لا تكون بالاستعلاء، وأن الإنسان يسمو حين يحمل في قلبه رحمةً للناس، ويجعل العدل أساسًا لعلاقاته، والصدق عنوانًا لكلماته، والإحسان طريقًا إلى الله.
وفي زمانٍ تتزاحم فيه الفتن، وتضطرب فيه القيم، تزداد حاجتنا إلى استحضار سيرته صلى الله عليه وسلم لا بوصفها صفحاتٍ من الماضي، بل باعتبارها نورًا للحاضر ودليلًا إلى المستقبل. فما أحوجنا إلى أخلاقه في بيوتنا، وإلى رحمته في مجتمعاتنا، وإلى صدقه في معاملاتنا، وإلى حلمه عند الغضب، وإلى ثباته عند المحن.
إن مولد طه شفيعنا مناسبةٌ لنسأل أنفسنا: ماذا بقي من هديه في حياتنا؟ وهل تحولت محبتنا له إلى عمل؟ وهل صارت الصلاة والسلام عليه باعثًا على الاقتداء به؟ إن أعظم احتفاءٍ بسيد الخلق أن نحيا على ما أحب، وأن نجتنب ما نهى عنه، وأن نكون في أخلاقنا ومعاملاتنا صورةً صادقةً لما دعا إليه من خيرٍ ورحمةٍ وعدل.
سلامٌ عليك يا رسول الله يوم وُلدت، ويوم أشرقت برسالتك الأرض بعد ظلماتها، ويوم حملت لواء الرحمة إلى العالمين، ويوم لقيت ربك وقد أديت الأمانة ونصحت الأمة، ويوم نرجو أن نرد حوضك، ونكون ممن شملتهم شفاعتك بإذن الله.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعل محبتنا لنبيك صلى الله عليه وسلم محبةً صادقةً تورثنا اتباعًا لسنته، واقتداءً بأخلاقه، وثباتًا على طريق الحق، واحشرنا في زمرته، واسقنا من حوضه شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا.
مولد طه شفيعنا ليس ذكرى لمولد رجلٍ عظيم فحسب، بل ذكرى لميلاد رسالةٍ أخرجت الإنسان من ظلمات الجاهلية إلى رحاب النور؛ فطوبى لمن جعل محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم حياةً في قلبه، وسنةً في سلوكه، ونورًا في طريقه.



