مقالات صحفية

قضايا على طاولة التربية_من المسؤول عن بناء الإنسان؟_

علي بن مبارك بن خلفان اليعربي

عندما يظهر خلل في سلوك أحد الأبناء، أو يتراجع مستواه الدراسي، أو يضعف التزامه بالمسؤولية، يبدأ السؤال سريعًا: من المسؤول؟
يقول البعض: الأسرة.
ويقول آخرون: المدرسة.
ويحمّل فريق ثالث المجتمع ووسائل التواصل والإعلام مسؤولية ما يحدث.
وربما كان الجميع على شيء من الصواب، لكن المشكلة تبدأ عندما يحاول كل طرف أن ينقل المسؤولية إلى الطرف الآخر، وكأن تربية الإنسان مهمة يمكن تقسيمها ثم التخلص من نصيبنا منها.
فالإنسان لا تصنعه مؤسسة واحدة، ولا تتشكل شخصيته في مرحلة واحدة من عمره. إنه حصيلة تفاعل طويل بين الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والبيئة التي يعيش فيها، والتجارب التي يمر بها، والقدوة التي يراها أمامه.
ولذلك فإن السؤال الأدق ليس: من المسؤول عن تربية الأبناء؟ وإنما: كيف يتقاسم الجميع مسؤولية بناء الإنسان؟
فالأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الحب والاحترام والانضباط، ومنها يكتسب أولى مفردات الحوار، وأول تصوراته عن المسؤولية والحقوق والواجبات. وما يتعلمه في سنواته الأولى قد يظل مؤثرًا في شخصيته حتى مراحل متقدمة من حياته.
لكن الأسرة، مهما بلغت قدرتها، لا تستطيع أن تقوم بكل شيء.
هنا تأتي المدرسة بوصفها الشريك التربوي الذي ينتقل بالطفل من محيط الأسرة إلى فضاء أوسع من العلاقات والمعرفة والمسؤوليات. فالمدرسة لا ينبغي أن تكون مكانًا لتلقين المناهج فقط، وإنما بيئة يتعلم فيها الطالب احترام النظام، والعمل الجماعي، وقبول الاختلاف، وتحمل المسؤولية، واحترام الوقت، وتقدير قيمة العمل.
أما المعلم، فدوره لا يقف عند حدود المادة التي يدرسها. فكلمته، وطريقة تعامله، وعدله بين طلابه، واحترامه لهم، وطريقة تعامله مع أخطائهم، كلها رسائل تربوية قد يكون أثرها أعمق من درس كامل.
ومع ذلك، فإن المدرسة لا تستطيع أن تنجح إذا دخل الطالب إليها محملاً برسائل متناقضة من البيت. فمن الصعب أن نطلب من المعلم أن يغرس قيمة احترام النظام، بينما يرى الطالب في منزله من يستهين بالقوانين. ومن الصعب أن نطالبه بالانضباط، بينما يتعامل المحيطون به مع الالتزام وكأنه أمر ثانوي.
وهنا تظهر أهمية الشراكة التربوية.
الشراكة لا تعني أن تتدخل الأسرة في كل تفاصيل المدرسة، ولا أن تتخلى المدرسة عن مسؤوليتها بإحالة كل مشكلة إلى الأسرة. وإنما تعني أن يتفق الطرفان على هدف واحد: بناء إنسان قادر على أن يعيش حياة متوازنة ومسؤولة.
لكن هناك طرفًا آخر كثيرًا ما ننساه في هذه المعادلة: المجتمع.
فالطفل لا يعيش طوال يومه في البيت أو المدرسة. إنه يتعامل مع الشارع، والأصدقاء، ووسائل الإعلام، والمنصات الرقمية، ومختلف النماذج التي يراها حوله. وإذا كانت الأسرة والمدرسة تغرسان قيمة، ثم يجد الطفل في محيطه رسائل تناقضها باستمرار، فإن المهمة التربوية تصبح أكثر تعقيدًا.
ومن هنا فإن المجتمع مسؤول عن البيئة التي يصنعها لأبنائه. فحين نرفع قيمة العلم، ونحترم المعلم، ونقدر العمل، ونرفض التنمر والعنف، ونحترم النظام، فإننا نشارك في التربية حتى دون أن نشعر.
وحين تصبح بعض السلوكيات السلبية محل إعجاب أو تقليد، فإننا نشارك أيضًا في صناعة السلوك، وإن كنا لا نرفع شعار التربية.
إن الخطأ الأكبر هو أن ننتظر من الأسرة أن تصلح كل شيء، أو من المدرسة أن تعالج كل شيء، أو من الأبناء أن يتحملوا نتائج أخطاء لم يكونوا وحدهم سببًا فيها.
نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة تبادل المسؤوليات إلى ثقافة التكامل في المسؤولية.
فالأب لا يستطيع أن يكون مع ابنه في المدرسة طوال اليوم، والمعلم لا يستطيع أن يكون معه في المنزل، والمجتمع لا يستطيع أن يراقب كل لحظة من حياته. لكن عندما تعمل هذه الأطراف في اتجاه تربوي متقارب، يصبح البناء أكثر قوة واستقرارًا.
والأهم من ذلك أن نكف عن النظر إلى التربية باعتبارها مرحلة مؤقتة تنتهي بانتهاء الطفولة أو مغادرة المدرسة. فالقيم التي نغرسها في الصغر تصبح مع الوقت طريقة تفكير، ثم تتحول إلى سلوك، ثم تصبح جزءًا من شخصية الإنسان.
ولهذا فإن مسؤولية التربية لا تنتهي عند النجاح الدراسي، ولا عند حصول الابن على شهادة، وإنما تمتد إلى السؤال الأهم: أي إنسان أصبح؟
هل أصبح مسؤولًا عن قراراته؟
هل يعرف حقوقه وواجباته؟
هل يحترم الآخرين؟
هل يستطيع أن يختلف دون أن يسيء؟
هل يعرف قيمة العمل؟
هل يستطيع أن يواجه الفشل دون أن ينهار؟
وهل يحمل من القيم ما يجعله نافعًا لنفسه وأسرته ومجتمعه؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون حاضرة عندما نتحدث عن نجاح التربية.
إن بناء الإنسان مشروع أكبر من أن تحمله الأسرة وحدها، وأعظم من أن تختصره المدرسة في منهج، وأخطر من أن يترك للصدفة أو لتأثيرات العالم المفتوح.
ولذلك، عندما نرى خللاً في أبنائنا، فلنبدأ بالسؤال عن مسؤوليتنا نحن قبل أن نسأل عن أخطائهم. ليس بهدف جلد الذات أو توزيع اللوم، وإنما بهدف اكتشاف الخلل وإصلاحه.
فالتربية مسؤولية مشتركة، لكن المسؤولية المشتركة لا تعني غياب مسؤولية الفرد. وكل أب وأم ومعلم ومربٍ ومؤسسة ومجتمع له دور لا يستطيع أن يتخلى عنه دون أن يترك فراغًا سيملؤه تأثير آخر.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون هدفنا أن نصنع أبناءً يطيعوننا، وإنما أن نصنع أجيالًا تعرف كيف تختار الصواب عندما لا نكون إلى جوارها.
على طاولة التربية
الإنسان لا تصنعه الأسرة وحدها، ولا المدرسة وحدها، ولا المجتمع وحده؛ لكنه يتأثر بالجميع. وكلما تكاملت أدوار هذه الأطراف، أصبح بناء الإنسان أكثر قوة واتزانًا. لذلك لا نبحث عن الطرف الملام، بل عن الدور الذي لم يؤدَّ كما ينبغي، ثم نبدأ بإصلاحه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights