الخلع قرار المرأة

علي بن حسين البلوشي
سأروي لكم قصةً قد تكون حقيقيةً أو من نسج الروايات ، لكنها لامست قلبي بصدق ، فأحببت أن أدوّنها وأشارككم بها .. ربما تكون مجرد حكاية وربما تحمل بين سطورها معنى يستحق التأمل ، بل هو ميثاقٌ غليظ ورباطٌ مقدّس جعله الله سكنًا ورحمة وملاذًا للأرواح المتعبة .
وحين تتصدّع أركانه لا يكون الألم في الانفصال وحده ، بل في ضياع المودّة التي كانت يومًا تجمع قلبين تحت سقفٍ واحد ، تتقاسم فيه الابتسامة والدمعة والفرح والتعب.
وفي زمنٍ كَثُر فيه طلب الخُلع دون تروٍّ أو تفكّرٍ في العواقب ، نسمع قصصًا تُبكي الحجر كما في قصة تلك المرأة التي طلبت الخلع ، فلم يحتمل زوجها وقع القرار على قلبه ، ففارق الحياة متأثرًا بالحسرة والانكسار .
حين وقفت الزوجة أمام القاضي تطلب الخلع ، لم يكن زوجها حاضرًا بروحه ولا بجسده .. فقد سبقها إلى ربّه ، بعدما فطر قلبه الحزن وأثقل صدره الألم .
ساد الصمت القاعة ، وتقدّم القاضي بصوتٍ متهدّج وقال بحزنٍ عميق :
{ارفعوا الجلسة إلى قاضي السماء}
عندها انفجرت المرأة بالبكاء ، بكاءً اهتزّت له أركان القاعة ، وكأن الحقيقة باغتتها متأخرة .
نسيت أو تناست في لحظة غضب أن الزواج ميثاق مودة ورحمة واستقرار ، لا نزوة تُقطع عند أول خلاف ولا قرارًا يُتخذ دون حسابٍ لنتائجه .
ولو أنها تذكّرت قول الله تعالى في وصف عباده المؤمنين :
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ سورة الفرقان 74
لأدركت أن المرأة لا تكون قُرّة عينٍ حقًّا ، إلا حين تحفظ زوجها ، وتقوم بواجبها نحوه وتكون له سكنًا ورحمة ، لا مصدر وجعٍ وندمٍ وحسرة .
لقد نسيت المودّة والرحمة اللتين جعلهما الله أساس العلاقة الزوجية ، كما قال سبحانه :
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الروم 21
فالمودّة والرحمة ليستا كلماتٍ تُقال بل مسؤوليةٌ مشتركة ، بها تستمر الحياة وبدونهما تذبل النفوس ، وتنتهي القصص الجميلة نهايةً موجعة .
إن تمسّك الرجل بزوجته قد يكون حبًّا صادقًا ، أو شفقةً رحيمة ، أو حرصًا على استقرار البيت والأبناء ، وكلّها صورٌ من الرحمة التي يغفل عنها كثيرون .
فلنحافظ على بيوتنا بالحكمة والتفاهم، قبل أن نصل إلى لحظة الندم ، حين لا تنفع الدموع ولا يعود الزمن إلى الوراء .. وقد قال الله تعالى تذكيرًا بزوال الدنيا ومتاعها :
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ سورة الحديد 20
فلا تجعلوا لحظة غضبٍ تهدم عمرًا من العِشرة ، ولا تفتحوا للشيطان بابًا بين قلوبٍ جمعها الله على مودة ورحمة .
فالعاقل من صان بيته ، والوفيّ من حفظ عهده ، والمؤمنة من كانت لزوجها قُرّة عين لا قُرّة حزن.



