لا تتركوا المواهب على مقاعد الانتظار… افتحوا لهم طريق العالم
خالصة الصلتي
كنت أتابع هذا العام نتائج القبول والابتعاث، وأراقب فرحة طالب بمقعد، وترقّب آخر لفرصة، وأفكر في تلك اللحظة التي تختصر سنوات من الدراسة والطموح في نتيجة واحدة. وبين الأسماء والمعدلات، قفز إلى ذهني سؤال ظل يكبر كلما تأملت المشهد: أين موقع الموهبة الرياضية في معادلة الابتعاث؟
ربما جاء السؤال من تجربة قريبة مني؛ فقد كانت ابنتي من الطالبات اللاتي اقترب معدلهن التنافسي، بفارق بسيط، من أدنى معدل قُبل في بعض فرص الابتعاث الخارجي، وكان طموحها أن تلتحق بجامعة دولية تجمع فيها بين الدراسة ومواصلة مسيرتها في كرة السلة، وأن تطور مستواها من خلال التدريب والمنافسة والاحتكاك بلاعبات من جنسيات ومدارس رياضية مختلفة.
ومن هنا اتسعت الفكرة إلى ما هو أبعد من تجربة ابنتي: كم شابًا وشابة في عُمان يحملون، إلى جانب مستواهم الأكاديمي، موهبة رياضية حقيقية، ويصلون إلى أبواب الجامعة في أهم سنوات تكوينهم الرياضي، بينما يمكن أن تصبح تلك الموهبة نفسها جسرًا إلى جامعة دولية وفرصة لصناعة بطل؟
فالرياضة في العالم اليوم صناعة واستثمار في الإنسان، والجامعة في كثير من الدول أصبحت شريكًا أساسيًا في صناعة الرياضي. وتقدم جامعات دولية عديدة منحًا للطلبة المتميزين رياضيًا، تتفاوت بين تغطية كاملة أو جزئية للرسوم الدراسية والدعم المالي، إلى جانب حزم متكاملة لتطوير الأداء الرياضي تشمل التدريب والإعداد البدني وعلوم الرياضة والتأهيل والتغذية والمنافسات الجامعية.
والأمثلة على ذلك واضحة؛ ففي بريطانيا تقدم جامعة Essex منحًا رياضية للطلبة المتميزين من داخل بريطانيا وخارجها، وقد يصل أعلى مستويات الدعم إلى خصم يصل إلى 100% من الرسوم الدراسية، إلى جانب منح مالية وحزم لدعم الأداء، وتشمل برامجها رياضات من بينها كرة السلة. كما تقدم جامعة Loughborough منحًا للرياضيين المتميزين، بمن فيهم الطلبة الدوليون، تصل إلى 5 آلاف جنيه إسترليني سنويًا بحسب الرياضة ومستوى الأداء، إلى جانب التدريب والإعداد البدني والطب وعلوم الرياضة والتغذية والدعم النفسي والمرونة الأكاديمية.
هذه النماذج تقدم لنا معادلة تستحق التأمل: الموهبة الرياضية يمكن أن تفتح باب الجامعة، والجامعة يمكن أن تفتح للموهبة طريقًا إلى العالم.
ولدينا في المنطقة نموذج خليجي حديث يستحق النظر إليه؛ ففي عام 2026 أطلقت دولة قطر مسارًا رياضيًا ضمن برنامج الابتعاث الحكومي، يتيح للمواهب الرياضية الجمع بين الدراسة الجامعية ومواصلة مسيرتها الرياضية، وفق منظومة تشارك فيها الجهات التعليمية والرياضية واللجنة الأولمبية. وهي تجربة مهمة في نقل رعاية الموهبة من جهد فردي وأسري إلى مسار مؤسسي تتكامل فيه مسؤولية التعليم والرياضة.
وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا لا يكون للمواهب الرياضية العُمانية مسار خاص ضمن منظومة الابتعاث، يستفيد كذلك من المنح التي تقدمها الجامعات الدولية للرياضيين؟
فالسنوات الجامعية مرحلة ذهبية في عمر الرياضي. أربع سنوات في بيئة رياضية متقدمة، وسط لاعبين من جنسيات ومدارس رياضية مختلفة، ومدربين متخصصين ومنافسات منتظمة، قادرة على صناعة فارق كبير في المستوى والخبرة والشخصية. والاحتكاك الدولي يوسع التجربة، ويرفع سقف المنافسة، ويصقل الثقة والانضباط والقدرة على التعامل مع الضغط والعمل الجماعي.
وحين يعود الطالب إلى عُمان، يعود بشهادة جامعية وخبرة رياضية دولية وعقلية تنافسية أكثر نضجًا، ويحمل معه معرفة وتجربة ينتقل أثرهما إلى ناديه ومنتخبه والجيل الذي يأتي بعده. وهكذا يصبح الابتعاث استثمارًا في الطالب، وفي مستقبل الرياضة العُمانية معه.
ومن هنا أتمنى أن تدرس وزارة التعليم تخصيص مسار ضمن منظومة الابتعاث تحت مسمى «بعثات المواهب الرياضية»، يخصص عددًا من المقاعد سنويًا للطلبة الرياضيين المتميزين، وفق معايير تجمع بين التحصيل الأكاديمي والإنجاز الرياضي وتقييم الاتحاد المختص وإمكانات اللاعب المستقبلية.
فالطالب الذي أمضى سنوات يوازن بين المدرسة والتدريب والبطولات يحمل صورة أخرى من صور التفوق؛ تفوقًا صنعته الموهبة والانضباط والاستمرارية والقدرة على تمثيل ناديه أو منتخبه. وهذه قيمة تستحق أن يكون لها وزن في صناعة الفرص التعليمية.
ولتفعيل هذا المسار، تستطيع اللجنة الأولمبية العُمانية، بالتكامل مع وزارة الثقافة والرياضة والشباب والاتحادات الرياضية، بناء شراكات مع الجامعات والمؤسسات الرياضية الدولية، والتفاوض للحصول على منح ومقاعد ومزايا للمواهب العُمانية.
ويمكن أن يصاحب ذلك إنشاء قاعدة وطنية للمنح الرياضية الدولية، تجمع الجامعات والفرص المتاحة وشروط التأهل والرياضات التي تشملها وما تغطيه كل منحة، بحيث ينتقل البحث عن الفرصة من جهد فردي تتحمله الأسرة إلى عمل مؤسسي يبحث عن أفضل طريق للموهبة العُمانية.
وهنا تتشكل معادلة ذكية: الدولة تستثمر في التعليم، والجامعة الدولية تستثمر في الموهبة الرياضية، والاتحاد يكتشف اللاعب ويتابع تطوره، واللجنة الأولمبية تفتح له طريق العالم.
ويبدأ الاستثمار قبل الجامعة بسنوات، من خلال سجل وطني للمواهب الرياضية ينطلق من المدارس والأندية والمنتخبات العمرية، ويرصد النتائج والمشاركات والتطور الفني. فمن هنا تتشكل خريطة حقيقية للمواهب العُمانية، ويصبح لكل موهبة مسار واضح يمتد من الناشئين إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى المنتخب.
وبالتوازي مع ذلك، يستطيع القطاع الخاص أن يكون شريكًا في هذا المشروع عبر تبني المواهب وتمويل المنح الرياضية أو المساهمة في تكاليف التدريب والمعسكرات. فالاستثمار الذي يمتد سنوات في موهبة واعدة يصنع أثرًا وطنيًا طويل المدى، ويمنح الرعاية الرياضية معنى أعمق يرتبط بصناعة الإنسان والإنجاز معًا.
ويمكن أن يبدأ المشروع بعدد محدود ومدروس من المقاعد سنويًا، ثم يقاس أثره من خلال تطور مستوى الرياضيين، ومشاركاتهم الدولية، وحضورهم في المنتخبات الوطنية، وقيمة المنح التي تم استقطابها، وحجم الخبرة التي عادت معهم إلى الرياضة العُمانية.
فالعائد من الابتعاث الرياضي يتجاوز حدود الميدالية؛ إنه استثمار في التعليم والشباب والصحة والحضور الدولي وصناعة القدوة والقوة الناعمة لعُمان. وكل رياضي عُماني يصل إلى بيئة عالمية متقدمة يحمل اسم وطنه معه، ويعود بخبرة أكبر، ويفتح بنجاحه طريقًا لمن يأتي بعده.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يصل إلى طاولة صانع القرار:
كم موهبة عُمانية تقف اليوم على مسافة صغيرة من فرصة أكاديمية، بينما تحمل في داخلها قدرة رياضية كبيرة يمكن أن تفتح لها ولعُمان بابًا أوسع إلى العالم؟
الأوطان التي تصل إلى منصات التتويج تبدأ صناعة أبطالها قبل البطولة بسنوات؛ تكتشف الموهبة، وتصنع لها المسار، وتمنحها العلم والتدريب والاحتكاك، ثم يأتي يوم يحمل فيه ذلك الشاب أو تلك الشابة علم الوطن أمام العالم.
لا تتركوا المواهب على مقاعد الانتظار… افتحوا لهم طريق العالم.
فقد تبدأ ميدالية عُمانية قادمة من مقعد جامعي، ومنحة رياضية، وشراكة دولية، ورؤية وطنية تدرك أن الموهبة الرياضية ثروة، وأن صناعة البطل تبدأ يوم نصنع له الطريق.



