ويبقى جميل الأثر
ايمان الحبيب
البدايات
تخرجت من جامعة السلطان قابوس، من كلية التربية، قسم اللغة الإنجليزية، وعملت معلمة لعدد من السنوات، ثم انتقلت إلى ديوان عام وزارة التربية والتعليم، قبل أن يتغير اسمها إلى وزارة التعليم. وخلال فترة عملي هناك، كان لقائي الأول ومعرفتي بالحملات التي تنظمها وزارة الصحة للتبرع بالدم، وكانت أول تجربة لي في التبرع بالدم آنذاك.
ومثل أي موظف راغب في تجربة شيء جديد، لم أتردد في اتخاذ الخطوة الأولى في مسيرة التبرع بالدم، بل إنني استحسنت فكرة العطاء، وبتُّ أشجع الآخرين، سواء من الموظفين العاملين معي، على المشاركة في تلك الحملات، أو حتى من أهلي وصديقاتي.
قصة لم أنسها
ولم يكن التبرع بالدم وحده ما شكّل وعيي بقيمة العطاء، فقد جاءت حياتي الأسرية لتعلّمني درسًا آخر لا يُنسى. كنت في تلك المرحلة من حياتي متزوجة، ولدي عاملة منزل إندونيسية. أذكر أول لقاء لي معها، وكان في مكتب استقدام العاملات، وقد ذهبت إلى هناك باحثة عن عاملة مسترجعة، وكان القدر قد اختارها لتأتي للعمل معنا. عاونتني في تربية أبنائي، وقضت معنا عشر سنوات. كانت امرأة محجبة، مصلية، وقارئة للقرآن الكريم، وقامت بأداء فريضة الحج خمس مرات أو يزيد، بحسب ما ذكرته لي.
وفي يوم من الأيام، دخلت غرفتها ولاحظت أن فروة رأسها قد غطاها شعر خفيف بعد أن تساقط شعرها بشكل كبير. خفت عليها وسألتها: ما الذي حدث؟ اشتكت من تأخر دورتها الشهرية، لذا أخذتها إلى أقرب عيادة، وقامت الطبيبة بوصف بعض الأدوية، ولكن حالتها بدأت تسوء أكثر.
لا أدري لِمَ شعرت حينها أن الأمر لا يطمئن، وأنه لا بد من إجراء فحوصات شاملة لها. وهذا ما كان؛ إذ ذهبنا إلى مستشفى خاص، وقاموا بأخذ عينة من الدم وفحصها، ليتضح بعدها أنها كانت مصابة بسرطان الرحم.
قررنا، أنا وأبو الأولاد رحمه الله، أن تخضع العاملة لعملية جراحية في أسرع وقت لعلاجها، ولكنها رفضت وطلبت العودة إلى ديارها لرؤية ابنتها الوحيدة، فقد شعرت بالخوف من ألا تراها مجددًا، وكان لها ما أرادت.
قمنا بحجز تذكرة سفر لها، ومنحها مبلغًا سخيًا باعتباره مكافأة لنهاية الخدمة، بالإضافة إلى مبلغ آخر لإجراء العملية حال وصولها إلى جاكرتا. وقد كان آخر اتصال لي معها قالت فيه: «مدام، لا أريد أن أموت». وفي اليوم التالي اتصلت بابنتها للاطمئنان عليها، فأجابتني بأن أمها قد ماتت.
حزنت كثيرًا على موتها، وبكيت أيامًا، حتى إنها كانت تزورني في أحلامي سنوات وسنوات. تأثرت كثيرًا بمعاناتها ومن ثم فقدها، وبدأت أبحث عن طريقة أساهم بها في فعل الخير، وسألت عن الجهات والجمعيات التطوعية الخاصة بالسرطان، وذلك للتطوع والعمل معهم للمساعدة. لم يسعفني الوقت آنذاك للقيام بذلك، ولكنني فكرت في فكرة أخرى، ألا وهي التبرع بالدم والصفائح الدموية.
ما بين الدم والصفائح الدموية
ولتوضيح الفرق بين التبرع بالدم والتبرع بالصفائح الدموية: يحتوي الدم الكامل على جميع مكوناته، من خلايا حمراء وبيضاء وصفائح دموية وبلازما، ويمكن فصل هذه المكونات ليستفيد منها مرضى مختلفون بحسب حاجتهم. أما البلازما فهي الجزء السائل من الدم، وتحتوي على بروتينات وعوامل تساعد على تخثر الدم. وتساعد الصفائح الدموية على وقف النزيف، ويحتاج إليها كثير من مرضى السرطان، خاصة أثناء العلاج الكيميائي عندما ينخفض عدد الصفائح لديهم.
استمررت في القيام بتلك البادرة الإنسانية عدة سنوات خلال مسيرة حياتي، حتى وصل مجموع مرات تبرعي إلى خمسين مرة، سواء كان تبرعًا بالدم أو بالصفائح الدموية. وقد تم تكريمي ضمن المجموعة التي تميزت بهذا العطاء، علمًا بأن بعض زملائي تجاوزوا الخمسين مرة بكثير.
حين لا يتوقف العطاء
ولم يكن العطاء وحده ما علّمتني إياه هذه الرحلة، فقد جاء درسٌ آخر من فقدٍ قريب. فقبل سنتين، شُخِّصت صديقتي الجميلة بمرض سرطان الثدي. تجاوزته في المرة الأولى، ولكنه عاودها، فودّعتنا تاركةً خلفها أبناءً أقوياء، علّمتهم الصبر والمثابرة والنجاح والسعي نحو تحقيق طموحاتهم.
لقد كانت أمًّا عظيمة، وصديقةً رائعة، تعلمت منها التخلي عن الخوف، ومواجهة النفس والطرف الآخر إن شعرت بالظلم. تعلمت منها أن أقول «لا»، وأن أطالب بحقي متى ما تطلب الأمر ذلك.
لم ولن أنساكم، وسأواصل سعيي للتبرع بالدم وتشجيع الآخرين على أن يحذوا حذوي.
وفي بادرة إنسانية أخرى، قمت مؤخرًا بالتسجيل في تطبيق شفاء، وحررت وصيتي للتبرع بأعضائي بعد وفاتي. فالذي يتبرع بدمه في حياته لن يبخل على الناس بأجزاء من جسده وهو على مشارف الموت.
هي رحلة، ونحن عابرون وراحلون ذات يوم، ويبقى جميل الأثر.



