مقالات صحفية

بين الفكر والمحاضر

  علي بن حسين البلوشي

الإنسان لا يكتمل وعيه إلا بالمعرفة ، والمعرفة لا تُبنى إلا بالقراءة والكتابة .. ومن خلالهما تتشكل عقول الأفراد وتنهض الأمم ، وتُحفظ الخبرات والتجارب من الضياع .. ثم يأتي المحاضر ليكون اللسان الذي ينقل المعاني إلى الناس ، فيجعل الكلمة حيةً نابضة بالتأثير

فالقراءة والكتابة ليستا مجرد أدوات معرفية ، بل هما عمليتان عقليتان ونفسيّتان متكاملتان ، يقوم عليهما البناء الثقافي والفكري للإنسان .. فهما بمثابة جناحين يطير بهما العقل في فضاء المعرفة .

القراءة نافذة الفهم والتأمل ، هي أول طريق العلم وباب الإدراك ، ووسيلة الارتقاء بالفكر .

قال تعالى :

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.. سورة العلق

 فهي التي تعلّم الإنسان كيف يواجه الحياة بعقل واعٍ وروح متزنة

وليست عملية بصرية فحسب ، بل هي فعل ذهني عميق يقوم على تركيز الفكر وتحليل المعاني وربطها بالمعرفة السابقة .

وعندما يقرأ الإنسان بوعي ، فإن المعلومات لا تدخل إلى عقله مجردة ، بل تُخزَّن في نسقٍ منظم يساعده على الفهم والاستيعاب .

إن القراءة المستمرة تعمل على تنشيط الدماغ ، وتزيد من قدرته على التذكر ، كما تفتح أمامه آفاقًا جديدة من المعارف والتجارب ، حتى تصبح عادةً يومية تقيه من جمود الفكر وتوسع أفقه في النظر إلى الحياة .

الكتابة صياغة الفكر وإعادة ترتيبة  ..

 هي الوعاء الذي تُحفظ فيه العلوم، وهي المرآة التي تعكس فكر الإنسان وروحه

أما الكتابة فهي الوجه الآخر للقراءة ، إذ تترجم ما يختزنه العقل من معارف وأفكار إلى كلماتٍ منسقة ومعانٍ متماسكة . وهي تتطلب تركيزًا ذهنيًا عميقًا حتى لا يتشتت الفكر ، كما تحتاج إلى استعداد نفسي يجعل الكاتب في انسجام مع نصه ، فيغدو قلمه امتدادًا لذاته .

فالكتابة ليست مجرد تدوين ، بل هي بناء وصياغة وحوار داخلي بين الكاتب ونصه ، وبين النص وقارئه . وعندما تنساب الكلمات بصدق ، تتشكل العبارات سلسةً متينة الروابط ، متماسكة المعنى .

قال تعالى :

﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) سورة القلم

المحاضر جسر إيصال الفكرة للآخرين ..

المعرفة لا تكتمل إذا بقيت حبيسة الكتب أو الأوراق ، بل تحتاج إلى من يوصلها إلى العقول والقلوب ، وهنا يبرز دور المحاضر

وإذا كانت القراءة غذاءً للعقل ، والكتابة انعكاسًا لروحه ، فإن المحاضر هو الجسر الذي يربط بين النص والحاضرين .

فالمحاضر حين يعرض النص بأسلوب أدبي مؤثر ، يجعل الكلمة حيّة قادرة على الوصول إلى مختلف الطبقات الفكرية .

إنه يبعث الحياة في الكلمات المكتوبة ، ويحوّل النص من حروف صامتة إلى خطابٍ نابضٍ بالحضور والتأثير

قال تعالى :

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) سورة النحل

القراءة تغذي العقل ، والكتابة تحفظ الفكر ، والمحاضر ينشر الكلمة في الناس .

 فبها جميعًا تتشكل الحضارة الإنسانية ، ويُبنى وعي الأجيال ، وتبقى العلوم حيّة لا تموت. إنها سلسلة مترابطة .. قارئ ينهل من المعرفة ، كاتب يصوغها بإبداع ، ومحاضر ينشرها ببلاغة ، ليبقى أثر الكلمة خالدًا في الذاكرة الإنسانية.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights