مقالات صحفية

قِلاعُ وحُصون عُمَان .. تُحَف مِعْمَارِيَة وشَوَاهِدٌ تَاِريخِيَّة

 

  عائشة بنت سليمان القرطوبية

الْجَلالِي والْمِيرانِي قَلْعَتان يَجْمَعُهُمَا المَوْقع الإسْتِراتِيجي ، وَالتَّارِيخ المُشْتَرَك الَّذِي يَعُود لِفَتْرَة الاِحْتِلَال البُرْتُغَالِي وَالدَّوْر الْهَام الَّذِي لَعِبَتَاه وَالأَهَمِّيَة التَّارِيخِيَّة وَالثَّقَافِيَّة كَمَعْلَمَيْن بَارِزَيْن فِي سَلْطَنَة عُمَان ، حَيْثُ تَقَعا كِلْتَا القَلْعَتَيْن عِنْدَ مَدْخَل مِيناء مَسْقَط ، عَلَى جَانِبَي مَدْخَل بَحْر عُمَان ، حَيْثُ تَقَع قَلْعَة الْجَلالِي عَلى تَلَّة عَالِية على الْجَانِب الشَّمالِي الشَّرْقي وَ قَلْعَة الْمِيرانِي تَقَع عَلى تَلّة مُقَابِلَة ، عَلى الْجَانِب الْجَنوبِي الْغَرْبي ، تَحْدِيداً فِي مَدِينَة مَسْقَطْ ، بِالْقُرْب مِن سُوق مَطْرَح ، مِمَّا مَيَّزَهُمَا هَذا الْمَوْقِع بِإطْلَالاَتِهُمَا الْبَانُورَامِيَّة ، و إنَّهُما فِي غَايَة الأَهْمِّيَّة لِلدِّفَاعِ عَن الْمِينَاء وَ الْمَدِينة عَلى مَر الْعُصور ، حَيْثُ كَانَتا تُشَكِّلان نِظاماً دِفاعِيّاً مُزْدَوَجاً  ضِدَّ الْهَجَمَات الْبَحْرِيَّة ، بِفَضْل مَوْقِعِهما الَّذي يُتِيح السَّيْطَرَة عَلى حَرَكَة السُّفُن الْقَادِمَة و الْمُغَادِرَة .

قَلْعَة الْجَلالِي حِصْن شَامِخ عَلى سَاحِلْ عُمَان ، وَالْمَعْروفَة أَيْضاً بِاسْم “كُوت الجَلاَلي” أَوْ ” الْكُوتْ الشَّرْقِي”، وَاحِدَة مِنْ أَبْرَز الْمَعالِم التَّاريخِيَّة فِي سَلْطَنَةِ عُمَانْ ، يَعُودُ تَارِيخ بِنَاؤُها إِلَى القَرْن السَّادِس عَشَر، حَيْثُ بَنَاها الْبُرْتُغالِيون عَام ١٥٨٨ م.

وَيَعُودُ  اسْمُ “الْجَلَالِي” إِلَى أَحَدْ الْحُكَّام البُرتُغالِيين ، حَيْثُ إسْتَخْدَمَها البُرتُغاليون في الْبِداية كَحِصْن دِفاعِي لِحِمايَة المَدينة مِن الهَجَمات الخَارِجِيَّة، في الحُروب الّتي خاضُوها فِي المَنطِقة، كَما إسْتُخْدِمَت كَسِجْن لِلمَساجين السِّياسِيين .

كَما تَتَمَيَّز قَلْعَة الجَلالِي بِتَصْميمِها المِعْمارِي الفَريدْ، الَّذِي يَجْمَع بَيْنَ الطِّرازَيْن البُرْتُغَالِي والعُمَاني ، وتَتَكَوَن مِن بُرْجَيْن رَئِيسَيَين مُتَّصِلَيْن بِجِدَار، وتَتَخَلَلْ الجِدَار العَدِيد مِنَ الفَتَحَاتِ التَّيِ كَانَتْ تُسْتَخْدَم لِإِطْلَاقِ المَدَافِعَ ، كَما تَضُم القَلْعَةَ مَجْمُوعَة مِنَ الأَبْراجِ الأُخْرى الَّتي تَخْتَلِف فِي ارْتِفَاعِها.

وَبَعْدَ نِهَايَة الإِحْتِلَال البُرْتُغَالي فِي القَرْن السَابِع عَشَر، قَام العُمَانِيون بِتطْوير القَلْعَة ، حَيْثُ شَهِدَتْ تَحْسِينَات وَإِضَافَات تَعْكِس الأُسْلوبَ المِعْمَارِي العُمَانِي وَالَتْقلِيدي .

وَقَدْ لَعِبَتْ قَلْعَة الجَلَالِي دَوْراً هَاماً فِي تِاريخِ عُمان، حَيْثُ كَانَتْ شَاهِداً عَلى العَـدِيد مِنَ الأَحْدَاث التَارِيخِيّة الهَامَّة. وَ قَدْ تَمَّ اسْتِخْدام القَـلْعَة عَبْرَ العُصُور المُخْتَلِفَة كَحِصْنٍ دِفَاعِي وَمَرْكَز لِلْحُكْم ، كَمَا تَمَّ تَرْمِيمَهَا وَتَوْسيعَها فِي عَهْدِ النَّهْضَةِ العُمَانِيَّة.

و تُعَدُّ قَلْعَة الجَلالي اليَوْم وَاحِدَة مِنْ أَهَم الوِجْهَات السِيَاحِيَّة فِي سَلْطَنَة عُمَان، حَيْثُ تَجْذِبُ آَلافَ الزُّوّار مِن جَميعِ أَنْحَاءِ العَالَم. وَ قَدْ تَمَّ تَحْوِيل القَلْعَة إِلَى مَتْحَف يَعْرُضُ تَارِيخَ عُمَان وَ تُرَاثِها العَرِيق .

قَلْعَة الْمِيرَانِي: شامِخَة عَلَى ضِفَاف الّتَاريخ في مَسْقَطو تُعْتَبَر وَاحِدَة مِنْ أبْرَز الْمَعالِم التَّاريخِيَّة والسِيَاحِيّة في سَلْطَنة عُمَان ، لِتَشْهَد عَلى حُقَب زَمَنية مُخْتَلِفة وتُجَسِّد عَظَمَة الهَنْدسَة المِعْمَارِيَّة العُمَانِيَّة وَتَارِيخ البِلاد العَريق ، وتُعرَف بِتَصْميمها الفَرِيد ومَوْقعَها الاسْتِراتيجي  .

ويَعُود تَارِيخ بِنَاء قَلْعَة المِيراني إِلى القَرْن السَّادِس عَشَر المِيلادِي، وتَحْديدًا الفَتْرة الَّتي شَهِدَت الوُجُود البُرتُغالِي في المَنْطِقَة ، و يُعْتَقَد أَن البُرْتُغاليين هُم مَن قَاموا بِتَشْييد النُّواة الأولَى لِلْقَلْعَة عَلى أَنْقاض تَحْصينَات سَابِقَة، وذَلِك بِهَدَف تَعْزيز سَيْطَرَتِهم عَلى المِيناء التِّجاري الحَيَوي لِمَسْقَط وحِمَايَة مَصَالِحهم في الْمَنْطِقَة.

ومَع مُرور الوَقت، وتَحْديدًا في عَهْد اليَعارُبة خِلاَل القَرْن السَّابِع عَشَر المِيلادي، خَضَعَت القَلْعَة لِعَمَلِّيات تَوْسيع وتَطْوير كَبيرة .

حَيْثُ قَام السُّلْطان سيف بن سُلطان اليَعْرُبي بِإضافَة العَديد مِن التَّحْصينات والأَبْراج والمَدافِع، مِمَّا أَكْسَب القلْعَة قُوَّتها ومَتانَتِها الَّتِي نُشاهِدُها اليَوم. وقَد لَعِبَت قَلْعَة المِيراني دَوْرًا مِحْوَرِيًا في الدِّفاع عَن مَسْقَط والتَّصَدي لِلْهَجَمَات الخَارِجَيَّة، مِمّا جَعَلَها رَمْزًا لِلصُمود والقُوَّة عَبْر التّاريخ.

كَما تَتَميَّز قَلْعَة المِيرَاني بِتَصْميمها المِعْمَاري الفَريد الَّذي يَجْمَع بَيْنَ العَناصِر الدِّفاعِيَّة القَوِيَّة والجَمالِيّةَ الَّلافِتة ، حَيْثُ تَتَكون من بُرْجَيْن رَئيسِيَيْن مُتَّصِلَيْن بِسور عالٍ ، وهما:

بُرْج المِيراني: وَهُو البُرْج الأَكْبَر والأَكْثَر ارْتِفاعًا، ويَقَع في الجِهَة الشَّمالِيَّة الشَّرْقِيَّة مِن القَلْعَة، يَتَمَيَّز بِتَصْمِيمه الدَّائِري وقُوَّتِه الدِّفاعِيَّة، وقَد اسْتُخْدِم في المَاضي كَبُرْج مُراقَبَة ومَوقِع لِلْمَدافِع.

بُرْج النَّاحِيَة:  ويَقَع في الجِهَة الجَنوبِيَّة الغَرْبِيَّة، وهُوَ أَصْغَر حَجْمًا مِن بُرْج المِيراني، يَتَمَيَّز بِتَصْميمه المُرَبَّع ويُعْتَقَد أَنَّه كان يُسْتَخْدَم لِأَغْراض إِدارِّيَّة وسَكَنِيَّة.

يَرْبُط بَيْن البُرْجَيْن سُور دِفاعي مَتين مُزَوَّد بِفَتَحَات لِلْمَدافِع والمُراقَبَة، كَما تَضُم القَلْعَة ساحَات داخِلِيَة وغُرَفا ومَخازِن كانَت تُسْتَخْدَم لإِقامَة الجُنود وَتَخْزين المُؤَن والأَسْلِحَة، يَتَمَيَّز البِنَاء بِاسْتِخْدام الْأَحْجَار الْمَحَلِّية القَوِيَّة والْجَص الْأَبْيَض، مِمَّا يَمْنَح القَلْعَة مَظْهرًا مَهيبًا وَمُتَناسِقًا مَع الْبيئَة الْمُحيطَة.

وقَدْ لَعِبَت قَلْعَة الْمِيرَاني دَوْرًا حَيَوِيًا فِي تَاريخ مَسْقَط وعُمَان  بِشَكْل عَام، فَقَد كَانَت :

 ١) حِصْنًا دِفاعِيًا:  حَيْث تَصَدَّت القَلْعَة لِلْعَديد مِن الْهَجَمات والْغَزوَات الَّتي اسْتَهْدَفَت مَسْقَط عَبْر الْقُرون ، مِمَّا يَدُل عَلى أَهَمِّيَتها الاِسْتِراتِيجِيَّة فِي حِمايَة الْمَدِينَة ومِينائَها.

 ٢) مَرْكزًا إِدارِيًّا : فِي بَعْض الْفَتَرَات الّتَّاريخِيّة، اِسْتُخْدِمَت أَجْزاء مِن القَلْعَة كَمَكَاتِب إِدارِيَّة ومَقَر لِإقامَة بَعْض الْحُكَّام والْمَسْؤولِين.

 ٣) رَمزًا لِلْقُوَّة والّسِّيادَة : حَيْث كَانَت القَلْعَة تُمَثِّل رَمْزًا لِسُلْطَة الّدَّوْلَة العُمَانِيّة وقُدْرَتِها عَلى حِمَايَة أَراضِيها ومَصالِحَها.

وفِي العَصْر الْحَديث تَحَوَلَتا قَلْعَتا الجلالي و المِيرَاني إِلى مَعْلَم سِيَاحِي بَارِز يَجْذِب الّزُوَّار مِن مُخْتَلَف أَنْحَاء الْعاَلم، عَلى الرَّغْم مِن أَنَّهاما لا تَزالا تَحْت سَيْطَرَة الْجِهَات الْحُكومِيَّة ولا يُسْمَح بِدُخولِهما مِن الدَّاخِل لِلْعَامَّة، إلا أَن مَوْقِعَها الْخَارِجي وإطْلالاتِها الْبَانورامِيَّة تَجْعَلُهما مَحَطَّة أَساسِيَّة فِي أَي جَوْلَة سِياحِيَّة فِي مَسْقَط الْقَديمَة.

يُمْكِن لِلزُّوَّار الْاِسْتِمْتَاع بِمَنْظَر القَلْعَتان الْمَهِيب مِن الْخَارِج، والْتِقَاط الصُّوَر التِّذْكارِيَّة الرَّائِعَة لَهما وهِما تَرْتَفِعا بَيْن الْجِبَال وتُطِلا عَلى الْبَحْر، كَما يُمْكِن الاِسْتِمْتَاع بِالإِطْلالات الْخَلاَّبَة عَلى كُورْنيش مَسْقَط والمَبانِي التَّارِيخِيَّة الْمُحِيطَة بِهما مِن الْمَناطِق الْقَريبَة مِن القَلْعَتَيْن .

ويُمْكِن الْوُصول إِلَيْهما بِسُهولَة بِالسَّيارَة أَو سَيَّارات الْأُجْرَة ، و يُفَضَّل زِيَارَة الْمَنْطِقَة فِي الصَّباح الْبَاكِر أو بَعْد الظَّهيرَة لِتَجَنُّب حَرارَة الشَّمْس والاسْتِمْتاَع بِأفْضَل الإِضاءَة لإِلْتِقاط الصُّوَر.

خِتاماً تَظَل قَلْعَتا الْجَلالي والْمِيراني شَاهِدًا حَيًّا عَلى تارِيخ عُمَان الْعَريق وحَضارَتَها الْغَنِيَّة بِتَصْميمِهما الْمِعْماري الْفَرِيد ومَوْقِعهما الاسْتِراتِيجِي وإِطْلالاتِهما السَّاحِرَة، لِتَسْتَمِرَّا في إِبْهار الّزُوَّار وتَذْكيرِهم بِأَهَمِّيَّة هَذان الصَّرْحان التَّاريخِيين فِي مَسيرَة عُمَان عَبْر الْعُصور، إِنَّهما لَيْسَتا مُجَرَّد قِلاع ، بَل هُما قِصَّة مَحْفورَة فِي الصَّخْر تَحْكي فُصولًا مِن الشَّجاعَة والصُّمُود والْعَراقَة.

فَلَا تُفَوِّتْ فُرْصَةَ زِيارَتَهُما ، حَيْثُ سَتَتَمَكَّن مِن إِسْتِكْشَاف تَارِيخ عُمَانَ العَرِيق وَالتَّعَرُف عَلى ثَقَافَتِهَا الْغَنِيَّة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights