مقالات صحفية

التقاعد ليس نهاية الطريق بل بداية فصل جديد (10)

_كيف تصنع مشروعاً جديداً بعد التقاعد؟_
علي بن مبارك بن خلفان اليعربي

قد يكون التقاعد في نظر البعض نهاية مرحلة العمل، لكنه في نظر آخرين بداية لمرحلة أكثر حرية، يستطيع فيها الإنسان أن يختار ما يريد أن يفعله، وأن يمنح الوقت للأفكار التي ظلت مؤجلة طوال سنوات الوظيفة.
فكم من فكرة ولدت في ذهن إنسان ثم قال عنها: عندما أتقاعد سأفعلها؟
وكم من مشروع ظل مؤجلاً لأن ساعات العمل والمسؤوليات الأسرية والالتزامات اليومية لم تترك لصاحبه الوقت الكافي ليمنحه فرصة حقيقية؟
ثم يأتي التقاعد، ويأتي معه الوقت الذي كان الإنسان ينتظره، وهنا تبدأ المسألة الحقيقية:
ماذا سأفعل بهذا الوقت؟
قد تكون الإجابة مشروعاً جديداً.
لكن المشروع بعد التقاعد لا ينبغي أن يكون بالضرورة وظيفة أخرى، ولا ينبغي أن يكون محاولة لإثبات أن الإنسان ما زال قادراً على العمل بالطريقة نفسها التي كان يعمل بها قبل التقاعد.
إن المشروع الناجح في هذه المرحلة هو الذي يضيف إلى حياة الإنسان معنى، ويستثمر خبرته، ويمنحه شعوراً بالإنجاز، دون أن يسلبه حقه في الراحة والأسرة والحياة الخاصة.
ابدأ من نفسك
قبل أن يفكر المتقاعد في نوع المشروع الذي يريد أن يبدأه، عليه أن يتوقف قليلاً أمام نفسه ويسأل:
ماذا أعرف؟
ماذا أحب؟
ما الذي أستطيع القيام به؟
ما الخبرة التي أمتلكها ويمكن أن يستفيد منها الآخرون؟
وما المجال الذي أشعر أنني أستطيع أن أواصل فيه سنوات أخرى بشغف ورضا؟
هذه الأسئلة أهم من البحث عن مشروع جاهز.
فالمشروع الذي لا يشبه صاحبه قد يتحول إلى عبء، بينما المشروع الذي ينطلق من قدراته واهتماماته قد يتحول إلى مصدر متعة وإنجاز.
فمن قضى سنوات في التعليم قد يجد نفسه في التدريب أو الاستشارات أو الكتابة أو إعداد البرامج التعليمية.
ومن أمضى حياته في الإدارة قد يجد في نقل الخبرة أو تدريب الشباب مجالاً مناسباً.
ومن كانت له اهتمامات ثقافية أو اجتماعية قد يجد مشروعه في الكتابة أو التوثيق أو العمل المجتمعي.
وهكذا لا يبدأ المتقاعد من الصفر، وإنما يبدأ من رصيد طويل من الخبرة.
لا تبحث عن مشروع كبير من اليوم الأول
من الأخطاء التي قد يقع فيها الإنسان أن يتصور أن المشروع الناجح يجب أن يبدأ كبيراً.
ليس بالضرورة.
قد تبدأ الفكرة بصفحة تكتبها، أو دراسة صغيرة، أو لقاء مع مجموعة من الشباب، أو مبادرة محدودة، أو تجربة بسيطة تختبر من خلالها الفكرة.
ثم تكبر الفكرة إذا أثبتت نجاحها.
فالاستمرار أهم من البداية الكبيرة.
وقد يكون المشروع في بدايته شخصياً جداً، لا يراه أحد، لكنه يحمل في داخله بذرة شيء يمكن أن يصبح بعد سنوات ذا قيمة للآخرين.
ولذلك لا ينبغي للمتقاعد أن ينتظر الظروف المثالية.
ابدأ بما لديك، وبما تستطيع، ثم طور فكرتك خطوة بعد خطوة.
الخبرة رأس مال
من أجمل ما يملكه المتقاعد أنه لا يبدأ حياته الجديدة خالي الوفاض.
فوراءه سنوات من العمل والتجربة، وكم هائل من المواقف التي علمته ما لا يمكن أن تمنحه الكتب وحدها.
هذه الخبرة رأس مال حقيقي.
لكن الخبرة لا تصبح مشروعاً بمجرد امتلاكها.
لابد من تحويلها إلى معرفة قابلة للنقل والاستفادة.
يمكن أن تتحول إلى كتاب، أو دورة تدريبية، أو برنامج إرشادي، أو استشارة، أو مادة تعليمية، أو مبادرة مجتمعية.
وقد تكون أفضل طريقة لاكتشاف قيمة خبرتك أن تسأل نفسك:
ما الشيء الذي كنت أتمنى أن يخبرني به أحد عندما بدأت حياتي العملية؟
غالباً ستجد في الإجابة فكرة تستحق أن تقدمها إلى الجيل الجديد.
المشروع ليس دائماً مشروعاً تجارياً
حين نقول «مشروعاً جديداً» لا ينبغي أن نفكر مباشرة في التجارة والربح.
فالمشروع قد يكون معرفياً، أو ثقافياً، أو تربوياً، أو اجتماعياً، أو تطوعياً.
قد يكون مشروعاً لتوثيق تاريخ منطقة أو مهنة أو تجربة.
وقد يكون برنامجاً لتدريب الشباب.
وقد يكون كتاباً يؤلفه الإنسان بعد سنوات طويلة من القراءة والتجربة.
وقد يكون مبادرة لخدمة المجتمع.
وقد يكون مشروعاً عائلياً يهدف إلى جمع الأبناء والأحفاد حول قيمة أو نشاط مشترك.
كل ذلك مشاريع، ما دام لها هدف واضح وأثر يمكن أن يتحقق.
فالنجاح في مرحلة التقاعد لا يقاس دائماً بما يدخل الجيب، وإنما بما يدخل الحياة من معنى وأثر.
التقنية تفتح أبواباً جديدة
لم تعد المشاريع بحاجة دائماً إلى مكتب أو مقر أو رأس مال كبير.
فالتقنية فتحت أبواباً واسعة أمام من يريد أن يقدم المعرفة والخبرة.
يمكن للمتقاعد أن يكتب وينشر، وأن يقدم محتوى معرفياً، وأن يشارك في برامج تدريبية عن بعد، وأن يوثق تجربته، وأن يتواصل مع أشخاص من أماكن مختلفة.
لكن المهم ألا تتحول التقنية إلى غاية في حد ذاتها.
التقنية وسيلة، والمشروع هو الفكرة التي نريد أن نوصلها.
وقد يكون من الجميل أن يتعلم المتقاعد من الجيل الأصغر استخدام هذه الأدوات، بينما يقدم لهم في المقابل خبرته التي اكتسبها عبر سنوات طويلة.
وهكذا يتحول الاختلاف بين الأجيال إلى شراكة معرفية.
لا تجعل مشروعك يعود بك إلى الوظيفة
هناك فرق بين أن تبدأ مشروعاً جديداً وأن تعيد إنتاج الوظيفة القديمة.
قد يقع الإنسان في خطأ العودة إلى الضغط نفسه الذي كان يهرب منه.
يضع لنفسه ساعات طويلة، ومواعيد متلاحقة، ومسؤوليات لا تنتهي، ثم يكتشف أنه عاد إلى النقطة التي بدأ منها.
التقاعد يمنح الإنسان فرصة لإعادة تنظيم حياته، ولذلك ينبغي أن يحترم هذه الفرصة.
اجعل للمشروع وقتاً، وللأسرة وقتاً، وللراحة وقتاً، وللصحة وقتاً، وللهوايات وقتاً.
فالمشروع الناجح ليس الذي يستهلك الإنسان، وإنما الذي يجعل حياته أكثر توازناً.
المشروع الذي يترك أثراً
في النهاية، قد تتغير نظرتنا إلى النجاح مع مرور العمر.
في بداية الحياة قد يكون النجاح مرتبطاً بالوظيفة والراتب والمنصب.
أما بعد سنوات طويلة من التجربة، فقد يصبح السؤال مختلفاً:
ماذا تركت وراءك؟
من استفاد منك؟
من تعلم منك؟
ما الفكرة التي بقيت بعدك؟
ما العمل الذي سيستمر حتى بعد أن تتوقف أنت عن متابعته؟
هنا يصبح المشروع أكثر من نشاط.
يصبح رسالة.
وإذا استطاع المتقاعد أن يحول خبرته إلى مشروع، ومشروعه إلى أثر، فقد حقق واحدة من أجمل صور التقاعد الإيجابي.
فقد لا يحتاج الإنسان بعد التقاعد إلى أن يبدأ حياة جديدة بالكامل؛ ربما يحتاج فقط إلى أن ينظر إلى حياته القديمة بعين جديدة، فيكتشف أن بين سنواتها الطويلة أفكاراً وتجارب وقدرات يمكن أن تولد منها مشاريع لم يكن قد امتلك الوقت لتحقيقها.
ولذلك لا تسأل نفسك:
ماذا سأفعل بعد التقاعد؟
بل اسأل:
ماذا كنت أتمنى أن أفعل، وما الذي ما زال بإمكاني أن أبدأه اليوم؟
فقد يكون المشروع الذي تبحث عنه موجوداً في داخلك منذ سنوات.
كان ينتظر فقط أن تمنحه الوقت.
والتقاعد قد يكون تلك الفرصة.
ليس المطلوب أن تبدأ مشروعاً عظيماً، بل أن تبدأ شيئاً تؤمن به، وتستطيع الاستمرار فيه، ويترك في حياتك وحياة الآخرين أثراً طيباً.
فالتقاعد لا يغلق باب العمل، وإنما يفتح باب الاختيار.
وقد تكون أجمل مشاريع العمر هي تلك التي نبدأها عندما نتوقف عن العمل الذي كان مفروضاً علينا، ونبدأ العمل الذي اخترناه نحن.
التقاعد يطوي صفحة الوظيفة، لكنه لا يطوي صفحة الرسالة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights