مرباط في القلب .. حين يصبح الانتماء عملًا لا شعارًا
أحمد معروف اليافعي
الانتماء إلى الأرض ليس كلمات تُقال، ولا شعارات تُرفع في المناسبات، بل إحساس عميق يسكن الوجدان، ومسؤولية تتجسد في العمل، وأثر يبقى شاهدًا على صدق المحبة والإخلاص.
وحين أتحدث عن مرباط، فإنني أتحدث عن أرض لها مكانة خاصة في قلبي وذاكرتي. صحيح أنني عشت جزءًا من حياتي في صلالة، لكن مرباط ظلت حاضرة في وجداني؛ بممراتها وبيوتها القديمة، وبأيام الطفولة حين كنا نركض بين أحيائها، وبأهلها الذين يجسدون معاني الأصالة والكرم والانتماء.
لم تكن تلك الأيام مجرد ذكريات عابرة، بل كانت جذورًا صنعت هويتي وربطتني بهذه الأرض. فالإنسان قد يبتعد عن المكان، لكن المكان الأصيل لا يبتعد عنه؛ يظل حاضرًا في ذاكرته، ويمنحه دافعًا مستمرًا للعطاء.
حب الأرض يُثبت بالعمل ..
من يحب أرضه لا يكتفي بالحديث عنها، بل يسعى إلى خدمتها بما يمتلكه من معرفة وخبرة وإمكانات. لذلك، فإن العمل من أجل مرباط ليس فضلًا نقدمه، بل واجب ومسؤولية تجاه أرض منحتنا الانتماء والذكريات والهوية.
ومن حق كل واحد من أبناء المنطقة أن يقدم أفكاره ومبادراته، وأن يسهم في بناء مستقبلها وفق قدراته وتخصصه. كما أن من واجب المجتمع أن يفتح المجال أمام المبدعين، ويشجع أصحاب المبادرات، ويمنح كل فكرة نافعة فرصة عادلة.
وعندما ينجح أحد أبناء مرباط في تقديم مشروع أو مبادرة مميزة، فإن نجاحه لا يخصه وحده، بل يُعد نجاحًا للولاية وأهلها جميعًا. فالإنجاز الصادق لا ينبغي أن يكون سببًا للخلاف أو التنافس السلبي، بل فرصة للتعاون والبناء وتحقيق المزيد من النجاحات.
إن المجتمعات المتقدمة لا تحارب النجاح، ولا تقلل من شأن أصحاب الإنجازات، بل تستفيد من خبراتهم وتمنحهم المساحة التي يستحقونها. فالمبدع طاقة وطنية، ودعمه استثمار في مستقبل المجتمع كله.
الخبرة لا تمنحها المناصب ..
المناصب مهمة لتنظيم المسؤوليات وتحديد الصلاحيات، لكنها ليست المقياس الوحيد للكفاءة والخبرة. فالمعرفة تُكتسب بالتعلم، والخبرة تُبنى بالممارسة، والمكانة الحقيقية يصنعها العمل وتثبتها النتائج.
وقد يمتلك الإنسان خبرة واسعة من دون أن يشغل منصبًا رسميًا، كما قد يحتاج صاحب المنصب إلى الاستفادة من المختصين وأصحاب التجارب السابقة. وهذا لا يقلل من مكانته، بل يدل على وعيه وقدرته على القيادة.
فالقيادة الناجحة لا تقوم على الرأي الواحد أو العمل الفردي، وإنما على جمع الطاقات، وتوزيع الأدوار، والاستماع إلى الآراء المختلفة، والاستفادة من أصحاب الخبرة. وكلما كان المسؤول أكثر انفتاحًا على الكفاءات، كانت قراراته أكثر نضجًا وقدرة على تحقيق المصلحة العامة.
ويجب أن تبقى المناصب وسيلة لخدمة المجتمع، وأن تُمارس الصلاحيات في إطار القانون والعدل والشفافية. فالمنصب مسؤولية مؤقتة، أما الإنجاز والأثر الطيب فهما ما يبقى في ذاكرة الناس.
الاختلاف فرصة للتكامل..
من الطبيعي أن تختلف الآراء ووجهات النظر؛ فالاختلاف جزء من العمل العام، وقد يكون مصدرًا للأفكار الجديدة والحلول المبتكرة إذا أُدير بالحكمة والاحترام.
يمكننا أن نختلف في الأساليب، مع اتفاقنا على الهدف. ويمكننا مناقشة الأفكار وتقييمها من دون الانتقاص من أصحابها. فالنقد البنّاء يتناول العمل بالحجة والموضوعية، ويسعى إلى تصحيح الأخطاء وتطوير الأداء، مع المحافظة على الاحترام المتبادل.
ولا ينبغي أن يتحول الخلاف حول بعض التفاصيل إلى خصومة شخصية، أو أن يؤدي إلى تعطيل المبادرات الناجحة أو خسارة أصحاب الخبرة. فالمصلحة العامة أكبر من الخلافات العابرة، ومرباط تستحق أن نتجاوز من أجلها كل ما يعطل مسيرة البناء.
ومن الضروري أيضًا التحقق من المعلومات قبل اتخاذ القرارات أو بناء المواقف، والاستماع إلى مختلف الأطراف، وتجنب الاعتماد على الانطباعات أو الأقوال غير المؤكدة. فالعدل يبدأ بالتثبت، والإنصاف يقوم على الاستماع، والقرار الحكيم يحتاج إلى معرفة كاملة بالوقائع.
لا تهدروا طاقات المبدعين..
تتقدم المجتمعات حين تعرف قيمة أصحاب الفكر والخبرة والإبداع، وتمنحهم المكانة والمساحة اللازمتين للعطاء. فالمبدع ليس منافسًا يجب إبعاده، بل طاقة ينبغي الاستفادة منها وتوجيهها نحو خدمة المجتمع.
وعندما نقلل من قيمة أصحاب الإنجازات، فإننا لا نضر بهم وحدهم، بل نخسر خبراتهم وأفكارهم والفرص التي يمكن أن يصنعوها للأجيال القادمة. أما عندما ندعمهم ونستفيد منهم، فإن أثر نجاحهم يمتد إلى الجميع.
إن احترام الرموز والقامات في مجالاتهم لا يعني وضعهم فوق النقد، وإنما يعني تقدير تاريخهم وخبرتهم، ومناقشة أعمالهم بموضوعية وإنصاف. فالتقييم العادل يجب أن يستند إلى النتائج والمعايير الواضحة، بعيدًا عن العلاقات الشخصية أو الاختلافات العابرة.
وليس من الحكمة أن نبدأ في كل مرة من الصفر، بينما بيننا أشخاص يمتلكون المعرفة والتجربة. والأجدى أن نستفيد من خبراتهم، وأن ننقل تجاربهم إلى الأجيال الجديدة، وأن نصنع بيئة تجمع بين حماس الشباب وحكمة أصحاب الخبرة.
المصلحة العامة أولًا..
لا ينبغي أن تتحول خدمة مرباط إلى مجال للتنافس الشخصي أو البحث عن الشهرة؛ فالهدف الحقيقي هو الارتقاء بالولاية، والمحافظة على هويتها، وإبراز مقوماتها التاريخية والثقافية والسياحية، وتحقيق ما يخدم أهلها وزوارها.
وتحتاج مرباط إلى رؤية واضحة، وتخطيط متوازن، وإدارة واعية، وتعاون مستمر بين المؤسسات والمجتمع وأصحاب المبادرات. كما تحتاج إلى بيئة تشجع الأفكار الجديدة، وتحفظ الحقوق، وتقدم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية.
ولا يستطيع فرد أو جهة واحدة تحقيق النجاح منفردًا؛ فالنهضة الحقيقية تقوم على الشراكة، وعلى الاعتراف بأن لكل شخص دورًا يستطيع أداءه، وأن اختلاف التخصصات والخبرات يمثل مصدر قوة للمجتمع.
وعلينا أن نحفظ المعروف، ونقدّر كل من أسهم في خدمة المنطقة مهما كان حجم إسهامه. فالوفاء قيمة، والتعاون قوة، والاعتراف بجهود الآخرين من أخلاق المجتمعات الواثقة والناجحة.
مرباط أكبر من خلافاتنا ..
مرباط أكبر من الأشخاص والمناصب والخلافات العابرة. إنها تاريخ وهوية وذاكرة ومستقبل، ومسؤوليتنا جميعًا أن نحافظ عليها، وأن نعمل من أجل مكانتها بما يليق بها وبأهلها.
ومن يحب مرباط حقًا يفرح بكل إنجاز يتحقق فيها، ويدعم كل فكرة نافعة، ويحرص على جمع الجهود بدلًا من تفريقها. فحب الأرض لا يعني احتكار العمل من أجلها، وإنما يعني فتح الأبواب أمام كل مخلص يمتلك فكرة أو خبرة أو قدرة على العطاء.
دعونا نجعل اختلافنا طريقًا إلى التكامل، ونقدنا وسيلة للتطوير، وخبراتنا أساسًا لبناء مستقبل أفضل. ودعونا نتذكر أن المناصب تتغير، والأشخاص يرحلون، لكن الأعمال الصادقة تبقى شاهدة على أصحابها.
سأظل أؤمن بأن مرباط تستحق الأفضل، وأن خدمة هذه الأرض شرف ومسؤولية. وسأواصل، مثل كل محب لها، تقديم ما أستطيع من فكر وعمل وإبداع، في إطار من الاحترام والتعاون والالتزام بالقانون.
ليس هدفنا أن ينتصر شخص على آخر، بل أن تنتصر مرباط بمشروعاتها، وتراثها، وأبنائها، ومستقبلها. فالأرض لا تحتاج إلى مزيد من الخلاف، وإنما تحتاج إلى قلوب مخلصة، وعقول واعية، وأيدٍ تتعاون من أجل البناء.
وفي النهاية، لا يحفظ التاريخ حجم المناصب، بل يحفظ قيمة الإنجاز، ونبل المواقف، والأثر الجميل الذي يتركه الإنسان في أرضه وبين أهله.
مرباط في القلب دائمًا؛ نحبها بالانتماء، ونخدمها بالعمل، ونبني مستقبلها بالتعاون.


