السجود وأسراره العظيمة
محمد بن هلال المقبالي
قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ} [الحج: 18].
وسورة السجدة مرتبطة بخضوع المؤمن لله وتعظيمه عند سماع آياته: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15].
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّهِ وهو ساجدٌ».
السجود هو المعراج الوحيد الذي يصعد بك إلى السماء، وهو قمة الافتقار؛ فحين تأتي وتأخذ الناصية -وهي أعلى وأشرف منطقة في جسدك- وتضعها على التراب تذللاً لخالقك، فإنك تكسر صنم الأنا، وهذا الانكسار هو الذي يفتح أبواب السماء.
السجود أعظم مقامات العبودية، وأقرب ما يكون العبد فيه من ربه، ولعل تكراره في الركعة الواحدة يعلمنا أن القرب من الله لا يكفي مرة واحدة، وأن القلب كلما ذاق حلاوة السجود اشتاق إليه مجدداً.
الله سبحانه وتعالى حين شرع لنا هيئة السجود جعل فيها شفاءً لأجسادنا كما هو شفاءٌ لأرواحنا.
علمياً، تسحب الجاذبية الأرضية الدماء إلى الأسفل دائماً، ولأننا نقضي يومنا بين الوقوف والجلوس، فإن الدم يصل بصعوبة إلى أعلى منطقة في الدماغ. ولكن عندما نسجد تنقلب الموازين؛ فيصبح الدماغ أدنى من القلب، وتضخ الجاذبية الدماء المحملة بالأكسجين والغذاء بغزارة نحو الفص الجبهي. هذه المنطقة هي المسؤولة عن اتخاذ القرارات والتحكم في المشاعر والانفعالات، ونحن نردد في الدعاء: «ناصيتي بيدك»، وكأننا نطلب من الخالق أن تكون ناصيتنا مهتدية بنور الله.
ولذلك كلما سجدنا لله بخشوع وتذلل وبكاء، زاد خوفنا من الله، فتنشط هذه المنطقة لتأخذك نحو القرارات الإيجابية، وتزيد قدرتك على الابتعاد عن الخطأ وتجنب الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]. ولهذا وصفها القرآن بقوله: {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} [العلق: 16]؛ أي أنها مركز القرار. السجود عملية غسل وصيانة يومية لهذه الناصية؛ مما يحمي الذاكرة من الشيخوخة ويعيد للعقل اتزانه.
وليس هذا فحسب، بل أثبتت الدراسات أن السجود يساعد في تفريغ الشحنات الكهربائية الزائدة من الجسم وتخفيف الضغط عن الجيوب الأنفية؛ إنه نظام صيانة شامل لآلة الجسد المعقدة، إلى جانب أنه يرفعك درجات عند الله.
لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرٌ -أي اشتد عليه- فزع إلى الصلاة، وكان يطيل السجود حتى تظن السيدة عائشة رضي الله عنها أنه قُبضت روحه. لم يكن يطيل السجود واجباً فحسب، بل كان يطيله حباً وراحة، وكان يقول: «أرِحْنا بها يا بلالُ».
السجود كنز بين أيدينا ولكننا نغفل عن مفاتيحه؛ فوالله ما سجد العبد سجدة صدق وأطال فيها الوقوف بباب الله، إلا وجد الفرج والسكينة تنتظره عند الرفع.
يساعد السجود على تحييد الجذور الحرة، وتقليل الالتهابات، وتحسين النوم، وخفض ضغط الدم، وتعزيز المناعة، وزيادة الطاقة والحيوية، وتقليل آلام العضلات والركبتين، وتحسين الحالات المزمنة. كما يزيد من مقاومة الفيروسات، وتحسين أداء الجهاز الهيكلي، وتنشيط الدورة الدموية، وهو أسرع طريقة لإيصال الأكسجين إلى القلب والرئتين عند ضيق الصدر وحالات التوتر: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 97-98]؛ فسبحان الله ما أعظمه!
يقول سماحة شيخنا الخليلي في برنامج “سؤال أهل الذكر”: «… يشعر الإنسان إذا خرّ ساجداً لله سبحانه وتعالى بانقطاع عن الدنيا وصلة بالله، ومثول بين يديه وغفلة عن كل ما سواه، ويشعر بلذة هذا التذلل وهذا الخضوع وهذا الانقياد، ويشعر بلذة هذه المناجاة التي يسبح الله سبحانه وتعالى بها، فيتفاعل مع المنظومة الكونية التي تسبح كل ذرة من ذراتها بحمد الله تعالى وتسجد خاضعة لجلاله، فهو يشارك الكائنات بأسرها في هذا السجود، كما يشاركها في التسبيح: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ…}».
وكان السجود منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في المساجد على التراب والرمل والحصى الصغير وما أنبتته الأرض؛ كالحصير المصنوع من الخوص أو سعف النخيل أو أعواد الشجر، وهذا كان شائعاً في عمان حتى وقت قريب.
بعد ذلك استُحدث السجاد الحالي “الزوالي”، المصنوع أغلبه من ألياف صناعية من مشتقات النفط كالبولي بروبلين والبوليستر والأكريليك والنايلون لكونها أقل تكلفة وأسهل في التنظيف، وبعضها يُصنع من الصوف الطبيعي والحرير والقطن، أو من إعادة تدوير مخلفات القماش.
وقد استشكل بعض المسلمين الصلاة على السجاد الحالي منذ بداية ظهوره، حتى صار البعض يحمل حصيرًا ويفرشه عليه، ومنهم العمانيون عند ذهابهم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ فصاروا في حرج من الأمر.
ولهذا أجمع علماء المسلمين وقتها على جواز الصلاة على السجاد الحالي، ومنهم الإمام نور الدين السالمي، بينما شدد آخرون ورأوا وجوب وجود حاجز يفصل بين جبهة المصلي والسجاد الحديث، كقطعة من تربة طاهرة أو أي شيء مما أنبتته الأرض.
أما خلوات الرياضات الروحانية، فقد اشترط علماء الأسرار فيها أن تكون على التراب أو الرمل أو الحصى أو الحصير المصنوع من الخوص، وذلك من باب التذلل والتواضع والخشوع والانقياد لله تعالى، وهذا متواجد في عمان حتى يومنا هذا. وقد رخص بعض علماء الأسرار الخلوة على السجاد الحالي مع الالتزام بجميع الشروط الأخرى.
ولقاؤنا القادم بمشيئة الله تعالى عن أسرار أعظم نداء في الإسلام “الأذان”.


