التمويل الأصغر قبل الكارثة، لعن الله النامصة والمتنمصة

د. معاذ فرماوي
خبير التمويل الأصغر – مدرب معتمد من المجلس الأعلى للجامعات بمصر
قد يسأل قارئ عنوان المقالة عن العلاقة بين النمص والتمويل الأصغر، لذا سأُظهر العلاقة بشكل عاجل ومختصر لنكتشف حجم الخطر الذي يواجه التمويل الأصغر حاليًا.
من أسباب تحريم النمص أنه نوع من التدليس والخداع بإظهار أمر معين بخلاف الشكل الطبيعي والتغرير بطرف آخر، فعلة التحريم منع الخداع والتدليس بتعمد إظهار غير الحقيقة لإيقاع طرف آخر باتخاذ قرار هام مبنيًا على الغش والتدليس.
هنا تبدو الصورة واضحة، فكما أن هناك تدليسًا نتيجة النمص، هناك من يُخفي حقيقة الأزمة التي تواجه التمويل الأصغر بمصر، من خلال لفت أنظار المهتمين والمستفيدين والمقدمين لخدمات التمويل الأصغر لأمور مهمة ومطلوبة لكن لا علاقة لها بما يواجه التمويل من عثرات شديدة، كما أنها ليست الحلول الناجزة لما يعانيه التمويل الأصغر من مشاكل. ونتيجة لذلك سيبدو الأمر أمام الراغبين في الاستثمار في هذه الصناعة أمرًا هينًا لأن الحلول بسيطة، وهكذا ينخدع الطرف الأهم والأساسي وهم الراغبون في الاستثمار في هذه الصناعة، إضافة للمستثمرين الحاليين وللقائمين على الصناعة.
ما يحدث يشبه إخفاء توابع مقدمات الزلزال بتبسيط الأمور، فيهدأ الخائفون ثم يُفاجَؤون بزلزال يدمر كل شيء.
اجتماعات كثيرة تُنظم بعناوين تشعر المهتمين أنها لعلاج المشكلة ولوضع الحلول، لكنها تنتهي بدون لمس الحقيقة الرئيسية للمشكلة، وهي وجود تشبع نسبي في سوق التمويل الأصغر أو تباطؤ في نمو الطلب في الوقت الذي استمر فيه المعروض في الزيادة. فوفقًا لأحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية عن عام 2025 بالصفحة الرئيسية للهيئة بتاريخ 14 مايو 2026، سجلت قيمة إجمالي التمويلات الممنوحة للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر 106.9 مليار جنيه بنهاية عام 2025، مقارنة بنحو 95.8 مليار جنيه في العام السابق، بمعدل زيادة بلغ 24%، بينما تراجع عدد المستفيدين من 3.7 مليون بنهاية عام 2024 إلى 3.6 مليون بنهاية العام الماضي. والأكثر دلالة ما ورد بالصفحة الرئيسية للهيئة بتاريخ 20 فبراير 2025، من أن عدد المستفيدين كان قد انخفض أيضًا من 3.8 مليون في 2023 إلى 3.7 مليون في 2024، وهذا لا يشبه أبدًا سوقًا ينمو فيه الطلب بنفس سرعة نمو العرض، وهو اتجاه امتد لعامين وليس مجرد حركة عابرة في سنة واحدة.
وكانت هيئة الرقابة المالية نفسها أوعى من غيرها في تحديد المشكلة، لذا قامت مشكورة في 2024 بوقف تلقي طلبات تأسيس شركات جديدة لنشاط التمويل الأصغر، مشيرة إلى التنامي الملحوظ في عدد الرخص الجديدة والحاجة إلى التأكد من الملاءة المالية واستقرار المؤسسات القائمة.
وعندما تُغيّب الحقيقة، تكون دائمًا الحلول والرؤى لا علاقة لها بالمشكلة، وتظل الأزمة تتراكم ويزيد حجمها بشكل ينذر باستحالة أو صعوبة مواجهتها مستقبلًا. لذا تفاقمت الأزمة وتجاوزت مشكلة الإقراض المتعدد الخطيرة والقاتلة، لتلوح بالأفق مشكلة لا تقل خطورة عنها، وهي تحوّل التمويل الأصغر لصناعة طاردة للعمالة.
ومن المخاطر أيضًا أن المتصدر لوضع حلول للأزمة يضع حلولًا دون معرفة طبيعة التمويل الأصغر، فتؤدي هذه الحلول لتغيير طبيعة هذه الصناعة، وهو أمر كارثي سيأتي بنتائج عكسية. وهذا وجه آخر من وجوه الشبه مع النمص المحرم شرعًا، فمن أسباب تحريمه أيضًا تغيير خلق الله.
لقد عانت المملكة المغربية من أزمة شبيهة تمامًا لأزمة التمويل الأصغر بمصر، لكن المسؤولين عن الصناعة عالجوا الأزمة بشكل أكثر واقعية وبتدرج حكيم بعد أن حددوا بشكل واضح أسباب الأزمة، فكان من السهل وضع طرق العلاج الصحيحة لها، كما واجهوا الأزمة بكل شجاعة وشفافية. ولوجود تشابه قد يصل لحد التطابق بين الأزمتين، سأوضح بعض الحلول والإجراءات التي قامت بها المغرب وساعدتها على تخطّي الأزمة بشكل جيد، ثم بعض الحلول الإضافية المقترحة لحل الأزمة المصرية.
من أهم ما قامت به المغرب لعلاج أزمة التمويل الأصغر نقل مسؤولية الإشراف على هذا القطاع للبنك المركزي عندما شعرت بالنمو غير المسبوق للقطاع، وهذه خطوة لا يحتاجها القطاع بمصر لوجوده تحت إشراف جهة متخصصة وماهرة وهي هيئة الرقابة المالية. وألزم البنك مؤسسات التمويل الأصغر برفع تقارير إلى مكتب المعلومات الائتمانية الخاص بالقطاع المالي، كما قام البنك ووزارة المالية بتشديد شروط مخصصات تغطية خسائر القروض وشروط الحوكمة.
كما كلف البنك المركزي إحدى المؤسسات بتزويد مؤسسات التمويل الأصغر بمجموعة مشتركة من أدوات الإدارة، بهدف دعم هذه المؤسسات من خلال إتاحة أنظمة وإجراءات قياسية موحدة لمعلومات الإدارة وتشجيع التخطيط المشترك للتوسع في الفروع لمنع التداخل. كما قام البنك بتأمين موارد مالية لبناء القدرات، وتم أيضًا تطوير إستراتيجية المعرفة المالية، وأُنشئت من أجل ذلك مؤسسة متخصصة في ذلك المجال.
إضافة لما سبق، قامت مؤسسات التمويل الأصغر بتحسين الأنظمة الخاصة بها، وركزت على استعادة التحكم في العمليات بتكوين فرق خاصة لاسترجاع القروض المتأخرة مع المتابعة القانونية ضد المتأخرين.
ومن الأمور المميزة أن المؤسسات قامت، ولتحسين مناطق التركز المرتفع، بتحديث خرائط وصول الخدمات المالية، وهي أداة إلكترونية لتبادل المعلومات عن عدد الفروع والعملاء والسكان ومستويات الفقر في كل منطقة.
وأود أن أضيف لما سبق بعض المقترحات لعلاج أزمة التمويل الأصغر بمصر، حيث يجب إعادة تعريف رسالة وهدف ومجال عمل مؤسسات التمويل الأصغر. فبدلًا من أن تُعرّف نفسها بأنها تعمل في مجال الإقراض الأصغر، يجب أن تتسع رؤيتها لتشمل مجال التمويل الأصغر بالكامل، ثم تسعى لتحقيق متطلبات الجهات الرقابية لتقديم هذه الخدمات الشاملة.
وهذا يعني أن على مؤسسات التمويل الأصغر الانتقال من فهم مهمتها في ضوء التفكير قصير النظر، إلى فهم مهمتها في ضوء التوجه التسويقي الحديث بالتركيز على تلبية وإشباع حاجات العملاء وتقديم حلول لهذه الاحتياجات، وليس مجرد الاكتفاء بتقديم خدمات الإقراض. وهذا سيحقق لها مزايا عديدة، من أهمها أن قدرة العملاء على إدارة وتطوير مشاريعهم بشكل أفضل يساهم في تعزيز ولائهم لهذه المؤسسات، وتقليل نسبة المتسربين منهم، وانخفاض نسب المتأخرات، إضافة لزيادة الربحية كنتيجة طبيعية لهذه المزايا.
كما يجب إعداد وتنفيذ برامج تثقيفية موجهة للعملاء بخطورة وضع السوق الحالي، وأنهم ساهموا بشكل كبير فيما وصل إليه السوق من تنامي ظاهرة الإقراض المتعدد، والتأكيد على أنهم أول الخاسرين إذا استمر الوضع الحالي. ولنجاح هذه البرامج التثقيفية يجب أن تساهم كل مؤسسات وجمعيات وشركات التمويل الأصغر في تكلفتها، كما يجب أن تُدار من خلال جهة مركزية محددة كالاتحاد المصري لتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر.
ومن جانب آخر أيضًا يجب تثقيف وتدريب العاملين بالتمويل الأصغر على مناهج منح التمويل الصحيحة وخطورة الطرق المتبعة منهم حاليًا، والتأكيد على أن ممارساتهم الخاطئة في منح التمويل ساهمت بشكل كبير فيما وصل إليه السوق حاليًا، وأن السوق على حافة الانهيار، وأنهم مثل العملاء سيكونون أول الخاسرين أيضًا. ويُطبّق على هذه البرامج ما سبق ذكره في الفقرة السابقة من المشاركة وجهة الإدارة.
وأخيرًا يجب أن ندرك أن صناعة التمويل الأصغر في خطر كبير، وتحتاج لدقة فائقة في تشخيص المشكلة، وقدرة عالية على وضع الحلول الناجزة، ومهارة كبيرة في تطبيق هذه الحلول، وقبل ذلك كله والأهم الإخلاص لصناعة أحيت كثيرًا من الصناعات متناهية الصغر والصغيرة. فرجاءً لا تتركوها تحتضر، ولا تدعوا التدليس يُلبسها ثوبًا غير ثوبها الحقيقي.


