التقاعد ليس نهاية الطريق بل بداية فصل جديد من الحياة (6)
علي بن مبارك اليعربي
العمل التطوعي… امتداد طبيعي للرسالة
بعد سنوات طويلة من العمل الوظيفي، قد يتساءل بعض المتقاعدين: كيف أواصل عطائي بعد أن انتهت خدمتي الرسمية؟ وهل ما زال بإمكاني أن أقدم شيئاً لمجتمعي بعد أن غادرت موقع عملي؟
والحقيقة أن التقاعد قد ينهي مسؤولية وظيفية، لكنه لا ينهي مسؤولية الإنسان تجاه مجتمعه. فالعطاء لا يرتبط ببطاقة وظيفية، ولا يتوقف بانتهاء الدوام الرسمي، وإنما ينبع من شعور داخلي بأن للحياة رسالة، وأن الإنسان خُلق ليكون نافعاً حيثما كان.
ومن هنا يبرز العمل التطوعي بوصفه أحد أجمل ميادين العطاء بعد التقاعد، لأنه يقوم على الاختيار الحر، والإيمان الصادق، والرغبة في خدمة الآخرين دون انتظار مقابل.
لقد اعتاد كثير من المتقاعدين أن يقدموا خبراتهم في إطار المؤسسة التي عملوا فيها، لكن التقاعد يفتح أمامهم آفاقاً أوسع، حيث يمكنهم أن يسهموا في المبادرات المجتمعية، والجمعيات الأهلية، والفرق التطوعية، والبرامج الثقافية، والأنشطة الشبابية، والمؤسسات الخيرية، وكل ميدان يحتاج إلى عقل راجح وخبرة متراكمة.
إن المجتمع لا يحتاج إلى جهود الشباب وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى حكمة الكبار، وإلى من خبر الحياة، وعرف الناس، وتعلم من النجاحات والإخفاقات، وأصبح قادراً على أن يقدم خبرته في صورة نصيحة، أو تدريب، أو توجيه، أو مبادرة، أو مشاركة هادئة تصنع أثراً عميقاً.
والعمل التطوعي بعد التقاعد لا يعود بالنفع على المجتمع فحسب، بل ينعكس أيضاً على المتقاعد نفسه. فهو يمنحه شعوراً بقيمة وجوده، ويجدد علاقاته الاجتماعية، ويحافظ على نشاطه الذهني والنفسي، ويجعله أكثر ارتباطاً بقضايا وطنه ومجتمعه.
ومن الخطأ أن يظن الإنسان أن العمل التطوعي يحتاج إلى إمكانات كبيرة أو وقت طويل. فقد تبدأ المبادرة بابتسامة، أو بمشاركة في برنامج، أو بتدريب مجموعة من الشباب، أو بالمساهمة في حل مشكلة مجتمعية، أو بدعم مشروع خيري، أو بتقديم خبرة اكتسبها خلال سنوات عمله.
كما أن المؤسسات المجتمعية مدعوة إلى فتح أبوابها أمام المتقاعدين، وإشراكهم في برامجها، والاستفادة من خبراتهم، فالتطوع لا يزدهر إلا عندما يلتقي الاستعداد بالعطاء مع وجود بيئة تقدّر هذا العطاء وتستثمره.
ولعل من أجمل صور الوفاء للوطن أن يواصل الإنسان خدمته له بعد التقاعد، ولكن بأسلوب مختلف. فبدلاً من الواجب الوظيفي، يصبح الدافع هو حب الوطن، والإيمان بقيمة المشاركة، والرغبة في ترك أثر طيب يبقى بعد العمر.
ولقد أثبتت التجارب أن كثيراً من المبادرات الناجحة قادها متقاعدون آمنوا بأن رسالتهم لم تنته، وأن سنوات الخبرة التي عاشوها يجب أن تتحول إلى عمل نافع يستفيد منه الآخرون. وهؤلاء لم ينتظروا من يدعوهم، بل بادروا، فكانوا مصدر إلهام لمن حولهم.
إن العمل التطوعي ليس بديلاً عن الوظيفة، بل هو امتداد لرسالتها. فإذا كانت الوظيفة قد أتاحت للإنسان أن يخدم وطنه من خلال موقعه الرسمي، فإن التطوع يتيح له أن يخدمه من خلال إنسانيته، وخبرته، وإخلاصه، وحبه للخير.
وفي النهاية، فإن أجمل ما يمكن أن يفعله المتقاعد هو أن يجعل من سنوات ما بعد الوظيفة سنوات عطاء هادئ، لا يطلب فيها شهرة، ولا ينتظر تكريماً، وإنما يسعى إلى رضا الله، وإلى أن يترك في مجتمعه أثراً نافعاً يذكره الناس به بعد رحيله.
فالتقاعد لا يعني أن تنطفئ شمعة العطاء، بل قد يكون اللحظة التي يزداد فيها نورها صفاءً، لأنها أصبحت تضيء بإرادة صاحبها، لا بواجب الوظيفة.
ومن أدرك أن العمل التطوعي رسالة، أدرك أن أجمل ما في التقاعد أنه يحرر الإنسان ليعطي بإخلاص، ويعمل بمحبة، ويترك أثراً لا تحده وظيفة ولا يقيده منصب.



