خريف ظفار .. عندما يصبح الإبداع معيار النجاح لا المال
أحمد معروف اليافعي
مع انطلاق موسم خريف ظفار كل عام، تتجدد الحركة الاقتصادية والسياحية والثقافية، ويصبح الموسم منصة مفتوحة للإبداع، وفرصة حقيقية للشباب ورواد الأعمال وأصحاب المشاريع لإثبات قدراتهم والمساهمة في صناعة تجربة تليق بالمكانة التي وصلت إليها ظفار على خارطة السياحة الإقليمية.
ومن اللافت في السنوات الأخيرة تزايد أعداد العاملين في تنظيم الفعاليات، وإدارة المؤتمرات، والتصوير، وصناعة المحتوى، والتسويق، وريادة الأعمال. وهذا مؤشر صحي يعكس تنامي ثقافة العمل الحر، وارتفاع سقف الطموح لدى الشباب، وهو أمر يستحق الإشادة والدعم.
غير أن هذا التوسع يفرض في المقابل مسؤولية أكبر في ترسيخ مفهوم الاحترافية، لأن النجاح في هذه المجالات لا يصنعه الحماس وحده، بل تبنيه الخبرة، ويصقله التعلم المستمر، وتؤكده جودة الإنجاز. فالإبداع ليس لقبًا يُمنح، ولا مشروعًا يبدأ وينتهي في موسم واحد، وإنما هو رحلة طويلة من الاجتهاد والتطوير والتراكم المعرفي.
ومن أكثر المشاهد التي تبعث على الاعتزاز أن ترى من بدأ متطوعًا أو مساعدًا في فعالية، أصبح اليوم صاحب مؤسسة أو مدير مشروع أو اسمًا بارزًا في مجاله. هذه النماذج تؤكد أن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان، وأن الفرص عندما تُمنح للمجتهدين تصنع قصص نجاح نفتخر بها جميعًا.
لكن في المقابل، يبرز تحدٍ يستحق الوقوف عنده، وهو معيار اختيار المنفذين وأصحاب المشاريع. ففي كثير من الأحيان، تتحول المنافسة إلى سباق نحو تقديم أقل سعر، بينما تتراجع معايير الخبرة والكفاءة والإبداع إلى مراتب متأخرة. وهنا يكمن الخلل.
فالعمل الإبداعي لا يُقاس بقيمة العرض المالي فقط، بل بما يقدمه من جودة، وما يتركه من أثر، وما يعكسه من صورة مشرفة للموسم. وقد يكون العرض الأقل تكلفة هو الأعلى كلفة على مستوى الجودة، والاحترافية، ورضا الجمهور.
إن مساواة صاحب الخبرة الطويلة، الذي بنى اسمه عبر سنوات من العمل والتطوير، بمن دخل المجال حديثًا دون تجربة كافية، لا تحقق العدالة المهنية، ولا تخدم جودة المخرجات. فلكل مرحلة معاييرها، ولكل مستوى استحقاقه، والتميز لا ينبغي أن يُختزل في أرقام العطاءات فقط.
ولست ضد منح الفرصة للشباب، بل على العكس، فأنا من أشد المؤمنين بقدراتهم، لكن دعم الشباب الحقيقي لا يكون بإسناد الأعمال إليهم دون تأهيل أو معايير واضحة، وإنما ببناء قدراتهم، وإتاحة الفرصة لهم للتعلم والعمل مع أصحاب الخبرة، حتى يصبحوا مستقبل هذا القطاع بثقة واقتدار.
كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق المنظمين وحدهم، بل تمتد إلى الجهات المعنية، التي يقع عليها دور أساسي في وضع معايير مهنية واضحة توازن بين الجودة والتكلفة، وتعطي الخبرة والابتكار حقهما، لأن نجاح أي فعالية لا يُقاس بحجم الإنفاق، وإنما بجودة التنفيذ والأثر الذي تتركه في ذاكرة الزائر والمجتمع.
ومن المهم أيضًا أن يدرك أصحاب المشاريع أن المال ليس عدوًا للإبداع، بل هو وسيلة لاستدامته. فكل فكرة تحتاج إلى تمويل، وكل مشروع يحتاج إلى عائد يضمن استمراره، لكن عندما يصبح الربح هو الهدف الوحيد، تتراجع جودة الفكرة، ويتحول الإبداع إلى منتج مكرر يخلو من الهوية والتميز.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تُكرّم المبدعين، وتحترم الخبرات، وتمنح الفرص وفق الكفاءة، هي المجتمعات القادرة على صناعة اقتصاد إبداعي مستدام، بينما لا تصنع المنافسة القائمة على السعر وحده إلا نجاحات مؤقتة سرعان ما تتلاشى.
إن خريف ظفار ليس مجرد موسم سياحي يمتد لأسابيع، بل هو نافذة تعكس صورة المحافظة وسلطنة عُمان أمام العالم. ومن هنا، فإن الاستثمار في الإنسان المبدع، والاحتفاء بالكفاءة، ووضع معايير عادلة للاختيار، هي خطوات لا تقل أهمية عن تطوير البنية الأساسية أو زيادة عدد الفعاليات.
ويبقى الرهان الحقيقي على الإنسان؛ فهو من يصنع الفكرة، ويحولها إلى واقع، ويترك أثرًا يبقى بعد انتهاء الموسم. وعندما يصبح الإبداع معيار النجاح، لا المال، سنضمن أن يظل خريف ظفار نموذجًا للتجديد والتميز، ومنصةً تُولد فيها قصص نجاح تستحق أن تروى.



