النقاش ليس ساحة تصفية حسابات
عائشة الفارسية
الخلاف من أشد الأشياء التي تساهم في التفكك المجتمعي والأسري، وهو السبب في انهيار العلاقات، خاصة إذا كانت طويلة الأمد؛ فهي تؤدي إلى تآكل صلات الرحمة والروابط الشخصية والمهنية، خلافنا في معظم الأوقات لا يفسد نفوسنا وقلوبنا، ولكن يكشفها ويُظهر ما بها من أخلاق تربينا عليها، أخلاق زُرعت في داخلنا منذ الصغر؛ لذا لا بد أن نحافظ، في عز خلافنا وأصعب حالاتنا وفي أشد الضغوطات، على أخلاقنا ومعاملاتنا، ولا ننسى الود الذي كان بيننا، ولا نجعله أحد أسباب القطيعة والبغيضة.
ولا نُكثر من المشادات والتبريرات التي تزيد من الحدة والعناد، وتُبعدنا عن تقريب وجهات النظر، وتقطع ما كان بيننا من ألفة ومحبة، ولا نجعل للنقاش الجارح أو الخادش وجودًا في حوارنا، ونبتعد عن الطعن واللمز في حوارنا ونقاشنا، فلسنا محتاجين أن نتشابه ونتطابق كي نُحترم، ولا أن نتصادم كي نُثبِت وجهات نظرنا؛ يمكننا أن نختلف ونناقش دون أن نجرح، ونبتعد دون أن نطعن، ونبحث عن الحلول لتقريب وجهات نظر الجميع، ونحافظ على أهم ما تربينا عليه، كما قلنا في بداية المقال، وهي أخلاقنا وما تربينا عليه؛ فالأخلاق وقت الخلاف هي الاختبار والامتحان الحقيقي لنا “الاختلاف في الرأي لا يُفسد ودّنا، لكن فساد الخُلُق يفسد النفوس والعلاقات”، نحاول في أغلب الأوقات إن لم تكن جميعها، ألّا نُكثر اللوم ولا الغضب السريع، ونلتمس الأعذار، ونحاول فهم دوافع الغير، ونُنصت ونستمع لما يُقال لنفهم ما يكمن وراء هذا الكلام، ليسهل علينا فهم المقصود وكيفية الرد دون استعجال.
ودائمًا نبحث عن النقاط المشتركة والأشياء التي تفيد النقاش وتجمع وجهات النظر، وليس ما يفرق القلوب ويزيد الجدال والزعل وسوء الفهم، وعلينا أن نستخدم هذه النقاط في النقاش لكي لا يصبح نقاشًا هدامًا، ويمر بسلاسة، ويكون بعيدًا عن المشاحنات، لذا نحاول بكل وسيلة ممكنة وبكل طريقة أن لا نجعل النقاش ساحة لتصفية حسابات متراكمة أو مضايقات ساكنة في القلوب، وأن نبقى أوفياء رغم الخلافات، وأن نثبت على أخلاقنا النبيلة، لكي لا نهدم الود والعلاقات واللحظات الجميلة في لحظة نقاش واختلاف قد يكون أبسط مما نراه لو تعاملنا معه بأخلاقنا الحميدة، وعملنا بما قاله الله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.



