مقالات صحفية

تمخَّض الجبل

صالح بن خليفة القرني

لم أعتد أن أكون سلبياً، وأجتهد وأسعى أن أرصد بعض الظواهر الاجتماعية التي تستوقفني، وتبرز الجانب المشرق من بلدي، إلا أن الحقيقة لا تُوارى بغربال.

يتابع صفحات التواصل الاجتماعي – وإن شئت فقل: القطيعة الاجتماعية والتواري خلف الشاشات – جمعٌ غفير من الناس، من المتعلمين وأنصافهم وأرباعهم، وحتى من لم ينل حظه من أي شهادة، بل وتجدها تؤدلج عقولهم وأفكارهم، وتدرس خوارزمياتها اهتماماتهم، فتوجهها بحسب ميولهم وتفضيلاتهم.

أنا كغيري من أنصاف المتعلمين، محدودي المعرفة، ضحلي الثقافة، أقضي سحابة يومي متنقلًا بين الإنستجرام والواتساب واليوتيوب، فبعد أن تُبت إلى الله وحذفت الـ TikTok والـ Facebook، أجلس الساعات متنقلًا بين (الشورت والريلز)، ويقيني أنني سأُسأل عن تلك الساعات، فيمر عليَّ الكثير من الغث، والقليل القليل من السمين.

في تصفحي أمر على الكثير من الحسابات، ولم أعد أستغرب مما فيها من تدليس وكذب؛ فهذا يقسم أغلظ الأيمان بأن هذا العطر لا يعدله عطر في العالم، وإن هذا المنتج لن تجده بأقل من هذا السعر حتى إن ذرعت عُمان من مسندم إلى صرفيت.

لست بصدد الحديث عن المشاهير، ولا دراسة الأسباب النفسية لمتابعتهم، إلا أنني أردت أن أسجل رأياً شخصياً لا أفترض صحته حول الحسابات التي تلمّع صورة البعض، دون أن يكون لهم مواقف تُذكر في خدمة البلد والناس.

فنجد في تلك الصفحات أن هذا الشيخ فلان بن فلان الذي أسهم هو وجماعته في رتق طبقة الأوزون، وهذا الشيخ الذي قام هو وجماعته بالقضاء على التصحر، ولولا هذا الشيخ وإنجازاته في بداية النهضة لوجدنا البحر عذبًا بلا ملح، وقُضي على ثرواتنا البحرية.

إنّ الشيوخ الحقيقيين هم من وجدناهم في ساحات التبرع وميادين العطاء؛ ومنهم – على سبيل المثال لا الحصر – أولئك الذين هبّوا لنصرة طفلين بريئين يبحثان مع أهليهما عن بصيص أمل يخفف عنهما ألم المرض.

هم من يدعمون الفرق الخيرية، ويتلمّسون أحوال الفقراء والمحتاجين، ويجعلون من مكانتهم وسيلة لخدمة الناس، لا مجرد لقب أو حضور اجتماعي.

والأمر ينسحب على المشاهير – إن صحت التسمية – فلا ينبغي أن يُتابع من لا يهمه الشأن العام، ولا يتناول هموم الناس، ولا يتعاطى معها، وجل همه أن يروج لهذا المنتج وتلك السلعة، فتزيد مشاهداته ويتعاظم دخله.

ألم تستنكر هذه الحسابات التي تستعرض فلانًا الفلاني متوشحًا بخنجر يعلوه قرن الزراف، والذي انتزعه جده الأول من فيل أحد الكفار في معركة القادسية، سكوته وتواريه حينما هبّ الناس من أقصى البلاد إلى أقصاها للتبرع والدعم؟! هل سجلوا لأصحاب تلك الكروش موقفًا وطنيًا؟ هل كان لهم سبق في ميادين الدعم للمشاريع والمبادرات؟ أم أن لهم التصوير والاستعراض والشيلات وللبطولات الحقيقية رجالها؟

حقًا، بتلك المقاطع التي تروج لهذا وذاك دون إنجاز يُذكر، قد تمخّض الجبل، ولكنه لم يُنجب سوى فأر.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights