مقالات صحفية

التقاعد ليس نهاية الطريق بل بداية فصل جديد من الحياة (4)

التعلم لا يتقاعد

علي بن مبارك اليعربي

من أكثر المعتقدات التي رسخت في أذهان بعض الناس أن التعلم مرحلة تنتهي بالحصول على الشهادة أو بالالتحاق بالوظيفة، فإذا تقاعد الإنسان طوى معه كتب العلم وأغلق أبواب التعلم، وكأن المعرفة مرتبطة بسن معينة أو بمرحلة وظيفية محددة.
وهذه النظرة لا تنسجم مع طبيعة الإنسان، ولا مع حقيقة الحياة التي تقوم على التعلم المستمر. فالعلم ليس محطة يصل إليها الإنسان ثم يتوقف، بل رحلة تمتد ما دام العقل يفكر، والقلب يتطلع إلى مزيد من الفهم والنمو.
ولعل من أعظم ما تمنحه مرحلة التقاعد للإنسان هو الوقت. وهذا الوقت يمكن أن يتحول إلى مدرسة جديدة، يقرأ فيها ما لم يقرأ، ويتعلم ما لم يتعلم، ويقترب من المجالات التي كان يؤجلها سنوات طويلة بسبب مسؤوليات العمل وضيق الوقت.
إن كثيراً من المتقاعدين يحملون في داخلهم أحلاماً علمية وثقافية لم تتح لهم فرصة تحقيقها أثناء الخدمة. فمنهم من كان يتمنى مواصلة دراسته، ومنهم من كان يرغب في تعلم لغة جديدة، أو التعمق في التاريخ، أو التفرغ للقراءة، أو تعلم مهارة تقنية، أو حفظ كتاب الله، أو الكتابة والتأليف.
وليس المهم نوع العلم الذي يتعلمه الإنسان، وإنما المهم أن يبقى عقله في حالة حياة. فالعقل الذي يتوقف عن التعلم يبدأ بالتراجع، أما العقل الذي يتجدد بالقراءة والبحث والحوار فإنه يحتفظ بحيويته مهما تقدم العمر.
وقد أثبتت التجارب أن الإنسان لا يتقدم في العمر حين يكبر جسده، بل حين يتوقف عن التعلم. فكم من شاب أغلق على نفسه أبواب المعرفة، وكم من متقاعد ما زال يفتح كل يوم نافذة جديدة على العلم والحياة.
إن التعلم بعد التقاعد لا يضيف إلى الإنسان معرفة فحسب، بل يمنحه شعوراً بالإنجاز، ويعزز ثقته بنفسه، ويوسع آفاقه، ويجعله أكثر قدرة على التفاعل مع أسرته ومجتمعه ومتغيرات العصر.
ومن الجميل أن يضع المتقاعد لنفسه خطة سنوية للقراءة والتعلم، فيحدد الكتب التي يرغب في قراءتها، أو الدورات التي يتمنى الالتحاق بها، أو المهارات التي يريد اكتسابها. فالحياة التي تسير بلا أهداف معرفية سرعان ما يطغى عليها الروتين.
كما أن التعلم لا يعني الجلوس في قاعات الدراسة فقط، بل يشمل كل تجربة تضيف إلى الإنسان فهماً جديداً، أو مهارة نافعة، أو رؤية أعمق للحياة. فكل يوم يحمل فرصة للتعلم لمن أراد أن يتعلم.
إن المجتمع بحاجة إلى متقاعدين يتعلمون كما يحتاج إلى شباب يتعلمون؛ لأن المعرفة التي يكتسبها صاحب الخبرة تكون أكثر نضجاً، وأسرع تحولاً إلى عمل نافع وأثر باقٍ.
وفي النهاية، يبقى التعلم أحد أجمل صور العطاء للنفس. فالإنسان الذي يملأ وقته بالعلم، يملأ حياته بالحيوية، ويمنح عقله شباباً دائماً، ويجعل من سنوات التقاعد سنوات بناء لا سنوات انتظار.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به أن التقاعد قد يوقف الدوام الرسمي، لكنه لا ينبغي أن يوقف شغف الإنسان بالمعرفة. فالعلم لا يتقاعد، والطموح لا يتقاعد، والعقل الذي اعتاد أن يتعلم سيظل شاباً مهما تقدمت به السنون.
فمن جعل التعلم أسلوب حياة، أدرك أن أجمل ما في التقاعد أنه منحه الوقت ليعود طالب علم من جديد، ولكن هذه المرة بدافع الشغف، لا بدافع الواجب.
ضمن مشروع فكري يعنى بثقافة التقاعد الإيجابي واستثمار الخبرات الوطنية.
وأود أن أضيف لك فكرة أراها ستجعل هذه الحلقة مختلفة عن غيرها، لأنك أنت تعيشها حقيقة.
لا أرى أن نذكر في هذه الحلقة أنك حصلت على الماجستير بعد التقاعد، لكن يمكن أن نختمها بعبارة توحي بذلك دون أن تتحول إلى حديث عن الذات، مثل:
“ولقد أثبتت نماذج مشرقة في مجتمعنا أن التقاعد لم يكن نهاية للتعليم، بل كان بداية لمسيرة علمية جديدة، فأكمل بعضهم دراساته العليا، وحقق أحلاماً علمية ظلت مؤجلة سنوات طويلة. وما كان ذلك إلا لأنهم آمنوا بأن العمر قد يتقدم، لكن الطموح لا يشيخ.”
هذه الفقرة ستلفت انتباه القراء، وفي الوقت نفسه تمهد لمقال متأخر في السلسلة تروي فيه تجربتك الشخصية بعد أن يكون القارئ قد تعلّق بالفكرة نفسها. وأرى أن هذا الأسلوب أبلغ أثراً من التصريح المباشر، لأنه يجعل القارئ يكتشف النموذج قبل أن يعرف صاحبه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights