مقالات صحفية

قصة فتاة تتوّج كفاحها بالنجاح

يعقوب بن حميد بن علي المقبالي

هناك فتاة تربت وترعرعت على سفوح الجبال في أسرة فقيرة، لا تكاد تجد ما يسد احتياجاتها اليومية. ومع ذلك، بدأت هذه الفتاة رحلة الكفاح والمثابرة منذ نعومة أظفارها، وأُتيحت لها فرصة الالتحاق بالمدرسة في الصف الأول، لتبدأ مشوارها في التسلح بالعلم والمعرفة.

واصلت دراستها بكل جد واجتهاد، حتى وصلت إلى المرحلة الثانوية، وحققت نتائج جيدة في المدرسة التي درست فيها. إلا أن الظروف لم تسعفها في مواصلة تعليمها الجامعي.

تقدمت بعد ذلك إلى إحدى الوظائف الحكومية، فتم قبول طلبها، وخضعت للاختبار واجتازته بنجاح، ثم دخلت المقابلة الشخصية ووفقها الله تعالى لاجتيازها، وتم قبولها في الوظيفة، وأُبلغت بأنه سيتم الاتصال بها لمباشرة عملها.

وخلال فترة انتظارها، قررت أن تستعد لحياتها العملية، وكان والدها حريصًا على أن تتعلم قيادة المركبة حتى تكون مؤهلة لأداء عملها على أكمل وجه. ورغم ضيق ذات اليد، اقترض والدها مبلغًا من المال من أحد أصدقائه ليدفع تكاليف تعليمها القيادة، فالتحقت بالتدريب، واجتازت الفحوصات المطلوبة بنجاح.

لكن شاءت إرادة الله تعالى أن تتغير مجريات حياتها، إذ توفي والدها قبل أن تباشر عملها، وكان هو السند والعون لها في هذه الحياة. وفي الوقت نفسه، جاءها الاتصال لمباشرة وظيفتها، لكنها وجدت نفسها بين ألم فقد والدها، وواجب الوقوف إلى جانب والدتها التي كانت تقضي عدة الترمل.

ولم تمضِ فترة طويلة حتى توفي شقيقها، تاركًا خلفه أطفالًا صغارًا، فتضاعفت المسؤولية على عاتق هذه الفتاة. فتكفلت بمساعدة أرملة أخيها في رعاية الأطفال، ثم عادت الأرملة بعد انتهاء عدتها إلى بيت أهلها وتزوجت، لتصبح مسؤولية الأطفال كاملة على عاتق عمتهم.

ولم تقف المصاعب عند هذا الحد، إذ تعرضت والدتها للسقوط، فأصبحت غير قادرة على المشي وممارسة حياتها الطبيعية، فازدادت أعباء هذه الفتاة، بين رعاية والدتها والاهتمام بأبناء أخيها الأيتام.

ضحّت هذه الفتاة بحياتها من أجل أسرتها، فسجلت أبناء أخيها في مرحلة رياض الأطفال، ثم واصلت رعايتهم ومتابعة تعليمهم حتى التحقوا بالمدارس الحكومية، ليواصلوا طريق العلم والمعرفة. وبفضل الله، ثم بفضل جهودها المتواصلة واجتهادهم الشخصي أنهوا المرحلة الثانوية بنجاح، والتحقوا بالجامعات.

وقد أثمرت تلك الجهود، فتخرج الأبناء من الجامعات، حيث حصلت الابنة الكبرى على درجة الماجستير، وحصل الابن على درجة البكالوريوس، والتحقا بسوق العمل وأصبحا يمارسان حياتهما الوظيفية، أما الابنة الصغرى فما زالت تواصل دراستها الجامعية، وهي على مشارف التخرج.

وهكذا كرست هذه الفتاة حياتها وجهدها، محتسبة أجرها عند الله تعالى، وضحّت من أجل أسرة أخيها، حتى تُكلل كفاحها بالنجاح، بمعونة الله ثم بعزيمتها وصبرها. وفي المقابل، بقيت هي معلقة بين مسؤولياتها؛ فلم تلتحق بالوظيفة التي كانت تنتظرها، ولم تتزوج، إذ كان همها الأكبر إرضاء الله تعالى، وبر والدتها، وتربية أبناء شقيقها الأيتام حتى أصبحوا أفرادًا صالحين وناجحين في المجتمع.

هذه هي قصة فتاة عظيمة، سطرت أروع معاني التضحية والإيثار والصبر، لتكون قدوة لكل من يقرأ سيرتها.

والحمد لله أولًا وآخرًا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights