بدون تصنيف

الرواية ذاكرة تُقرأ : النادي الثقافي وتشكيل الوعي الأدبي

سالمة بنت هلال الراسبية

تولد بعض الروايات من فكرة، وتولد أخرى من سؤال، غير أن بعض الأعمال لا تكتمل إلا حين تجد من يؤمن بها قبل أن تتشكل ملامحها النهائية،
وهكذا بدأت التجربة في ورشة (حياة كاملة) مع المدربة والروائية أ. هدى حمد تحت إشراف ورعاية النادي الثقافي العماني، بمسودة تقدمت بها في برنامج وطني لدعم الكتاب 2024م، لم تتجاوز مئة صفحة، كانت تحمل نواة رواية تدور حول نكبة زنجبار في الثاني عشر من يناير 1964م. كانت الفكرة حاضرة في ذهني بقوة، عبر سؤال: كيف حدث ذلك؟ ولماذا لم أعرف قبل هذا الوقت؟

في بدايات تلك المرحلة المكونة من 4 مراحل لتطوير النص بشكل حضوري، إضافة إلى فترات أخرى لمراجعة النص عبر النقاش في لقاء “أونلاين” امتد لعام كامل، كنت أبحث بإلحاح عن “سر” أو “وصفة” أو منهجية علمية أو أدبية مختصرة تختزل عملية الكتابة، وكنت أوجه هذا السؤال إلى المدربة هدى حمد بصيغ متعددة، وكأنني أظن أن هناك مفتاحًا واحدًا كفيلًا بفتح النص وإكماله. غير أن التجربة كشفت لي أن الكتابة الروائية عملية تفكيك وبناء مستمر، وأن النص السردي لا يكتسب شكله النهائي إلا عبر بناء معرفي واضح وحذف وإعادة التشكيل والقراءة النقدية العميقة والحوار الحر مع المجموعة المشاركة، والذي كسر حواجز قدسية النص لدى الكاتب.

منذ تلك اللحظة بدأت المسودة تتسع، من النصوص الأولى، إلى بناء صالحٍ للبقاء، فأعدت كتابة المشاهد، وراجعت بناء الشخصيات، ووسعت أفق الزمن الروائي، ومع توسع النص، اتسعت معه دائرة البحث. بعد كل مرة أعود من الورشة الحضورية والتي كانت في مقر النادي، أتصل بالمكتبات المحلية لجمع أكبر قدر من المراجع والكتب والأدبيات، وفتحت أبواب الأرشيف الشفهي، من قنوات تلفزيونية وإذاعية ومتابعة برامج وثائقية متعددة الأفكار واللغات.

وكان للموروث الشفهي دور محوري في بناء الرواية، إذ أسهمت ذاكرة والدتي –متعها الله بالصحة والعافية– في نقل أشعار وأهازيج وحكايات متوارثة، منحت النص بعدًا إنسانيًا لا يمكن استعادته من الكتب وحدها. كما أسهمت قراءتي للأدب العماني في ضبط اللغة وتعميق الحس الثقافي، حتى أصبح النص نتيجة تداخل بين الذاكرة الفردية والجماعية، وبين البحث والحدس السردي وتوجيهات المدربة، حتى تحولت المئة صفحة الأولى إلى رواية مكتملة بلغت ثلاثمئة وأربعًا وسبعين صفحة. ثم مرت بمرحلة التدقيق والإخراج الفني مع النادي الثقافي.

في الحقيقة، إن النادي الثقافي العماني كمؤسسة داعمة، وكمنظومة فكرية أعادت صياغة العلاقة بين الكاتب والنص في تجربة (حياة كاملة)، كما يبرز الدور الاستثنائي للأستاذة القديرة أزهار الحارثي، التي كان لحضورها الأدبي والمهني الهادئ والثابت أثرًا واضحًا في تعزيز مفهوم الجودة الأدبية، وتوسيع أفق القراءة النقدية، بما يرسخ فكرة أن الكتابة هي عملية تتكامل فيها الخبرة والتوجيه والمعرفة، وأيضًا الدور الريادي للمدربة الروائية هدى حمد وفريق حياة كاملة من إداريين ومدققين ومخرجين فنيين ومصوري النادي الثقافي.

كما لا يمكن الحديث عن هذه التجربة دون الإشارة إلى الدور القيادي لرئيس النادي الدكتور محمد بن علي البلوشي، الذي أسهم برؤية استراتيجية واضحة وملفتة وغير مسبوقة، في إعادة تشكيل مسار دعم المؤلف العماني، عبر الانتقال من مفهوم “نشر الكتاب” إلى مفهوم “بناء المُحتَرف الروائي” بشكله المطور الذي يواكب النمو المعرفي في ظل التسارع الرقمي، ومن حدود النشر المحلي إلى أفق أوسع يجعل النص العماني حاضرًا في المشهد الثقافي العربي والدولي. لقد شكلت هذه الرؤية تحولًا في التفكير الثقافي، حيث أصبح النص الروائي جزءًا من مشروع أوسع لصناعة حضور ثقافي مستدام.

ومن هنا يتبلور التفكير في تطوير تجربة الكتابة الإبداعية إلى مستوى مؤسسي أوسع، وذلك عبر أكاديمية متخصصة للكتابة الروائية، تجمع بين التدريب الفني والمنهج البحثي، وتمنح الكاتب أدوات التعامل مع الأرشيف، وتحليل المجتمع، وبناء الشخصيات، وفهم السياق التاريخي. عندها يصبح النص الروائي نتيجة مسار معرفي متكامل، ويصبح الكاتب أقرب إلى باحث في الإنسان من خلال السرد، بداية لتأسيس ثقافة جديدة، تُقاس فيها قيمة العمل بما يضيفه إلى المعرفة الإنسانية، لا بعدد نسخه أو سرعة انتشاره. وحين يصل الكاتب إلى هذه المرحلة، تصبح الرواية أقرب إلى مخطوطة معاصرة؛ وثيقة ثقافية تحفظ ذاكرة مجتمع، وتقدم مادة يمكن أن يستند إليها الباحث، ويثق بها القارئ، دون أن تفقد جمالها الفني أو حريتها الإبداعية. ولا أرى بدًا من منح دبلومات أو شهادات مهنية في الكتابة الإبداعية ودرجات للاحتراف الأدبي لمرحلة أكثر احتياجًا واتساعًا، في ظل التزاحم المحموم على الأجهزة اللوحية ووسائل التواصل الاجتماعي والتقدم التكنولوجي.

وفي الختام لا يكتمل مقالي هذا المسار دون الامتنان والشكر لمن كانوا جزءًا من تفاصيله الإنسانية اليومية؛ إلى روح والدي التي أرجو أن تنعم بسلام أبدي، الذي كان له الفضل بعد الله أن علمنا الصبر والاستمرار في النجاح بقوة الإرادة والعزيمة، وممتنة لوالدتي الغالية التي رافقتني بدعائها وسؤالها اللحوح “أين الكتاب” إلى أن وضعته بين يديها، وزوجي وأبنائي الذين شاركوني صبر الطريق وتفاصيل الغياب والانشغال، وعائلتي الكبيرة التي آمنت بالفكرة منذ بداياتها الأولى وانتظرت ميلادها بمحبة وثقة، وجاراتي وقريباتي وصديقاتي اللواتي كنّ دائمًا حاضرات بالدعم والسؤال والتشجيع، وكأنهن يرافقن الرواية وهي تتشكل صفحة بعد أخرى حتى خرجت “المستظلون بالحلم”، من الظل إلى النور في 2/7/2026م.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights