مقالات صحفية

«حكاية»… عندما تصبح الصورة لغةً للهوية وذاكرةً للمستقبل

عمر المعمري

في زمنٍ تتسارع فيه الصور حتى تكاد تفقد معناها، لم تعد الصورة مجرد وسيلة لتوثيق اللحظات، بل أصبحت لغةً عالمية تختزل التاريخ، وتنقل المشاعر، وتصنع الوعي، وتحفظ ذاكرة الشعوب. وبين ملايين الصور التي تعبر شاشاتنا كل يوم، يبرز سؤالٌ جوهري: أيُّ صورة تستحق أن تبقى؟ وأيُّ أثرٍ نريد أن نتركه للأجيال القادمة؟ من هنا تنبع الحاجة إلى مشاريع تُعيد للصورة قيمتها بوصفها وثيقةً للذاكرة، ورسالةً للهوية، وجسرًا يصل الماضي بالحاضر. ومن هذا المنطلق وُلد فريق «حكاية»؛ مشروع ثقافي عُماني يؤمن بأن لكل مكانٍ حكاية، ولكل إنسانٍ أثرًا، وأن الصورة حين تقترن بالمعرفة والسرد تتحول من مشهدٍ عابر إلى ذاكرةٍ حيّة تحفظ ما قد تعجز الكلمات وحدها عن وصفه.

من هنا جاءت فكرة «حكاية»؛ ليس بوصفه مشروعًا للتصوير فحسب، بل باعتباره مشروعًا ثقافيًا عُمانيًا يؤمن بأن لكل مكان قصة، ولكل إنسان أثرًا، ولكل تفصيل في هذه الأرض ذاكرة تستحق أن تُروى. فالصورة بالنسبة إلينا ليست هدفًا، وإنما وسيلة لإحياء الحكايات، واستحضار التاريخ، وتعزيز الانتماء، وصناعة محتوى يربط الإنسان بوطنه من خلال الجمال والمعرفة.
لقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تحولًا كبيرًا في مفهوم الثقافة، فلم تعد حبيسة الكتب أو القاعات، وإنما أصبحت تُصنع يوميًا عبر المنصات الرقمية، وتنتقل بين الناس بسرعة غير مسبوقة. ومن هنا برزت الحاجة إلى مبادرات شبابية تمتلك القدرة على تقديم الثقافة بأسلوب معاصر، يحافظ على الأصالة دون أن يبتعد عن لغة العصر، ويجعل الهوية الوطنية حاضرة في كل محتوى يُنشر.

انطلاقًا من هذه الرؤية، يعمل فريق «حكاية» على إنتاج محتوى بصري يوثق الإنسان والمكان، ويعيد قراءة المشهد العُماني من زاوية مختلفة؛ زاوية ترى في الأسواق القديمة تاريخًا حيًا، وفي القرى ذاكرةً متجددة، وفي الوجوه العُمانية ملامح حضارة امتدت عبر قرون. فكل صورة تحمل قصة، وكل قصة تحمل قيمة، وكل قيمة تسهم في بناء وعيٍ ثقافي يرسخ الانتماء، ويجعل التراث حاضرًا في وجدان المجتمع.

إن الحفاظ على الهوية الوطنية لم يعد مسؤولية المؤسسات الثقافية وحدها، بل أصبح مسؤولية مشتركة بين جميع أفراد المجتمع، ولا سيما الشباب الذين يمتلكون أدوات العصر ومنصاته. فاليوم يمكن لصورة واحدة، أو فيلم قصير، أو قصة بصرية صادقة، أن تحقق أثرًا يفوق ما كانت تحققه وسائل تقليدية خلال سنوات، إذا ما قُدمت بإبداع ووعي واحترام لعقل المتلقي.

ومن هذا المنطلق، لا يرى «حكاية» أن التوثيق مجرد حفظٍ للماضي، بل يراه استثمارًا للمستقبل. فالذاكرة الوطنية ليست أرشيفًا ساكنًا، وإنما مصدر إلهام للأجيال، وركيزة لبناء مجتمع يعرف تاريخه ويعتز به، ومن ثم يستطيع الانطلاق منه نحو المستقبل بثقة أكبر. فالأمم التي تحفظ ذاكرتها، هي الأقدر على صناعة مستقبلها.

وتتجلى رسالة «حكاية» في انسجامها العميق مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، التي تنطلق من إيمانٍ راسخ بأن الإنسان هو غاية التنمية وصانعها، وأن الهوية الوطنية والثقافة والإبداع ليست مكوناتٍ تحفظ الماضي فحسب، بل مرتكزات تُبنى عليها ملامح المستقبل. حيث تدعو الرؤية إلى الاستثمار في المعرفة والابتكار، وتعزيز الصناعات الثقافية والإبداعية، وتمكين الشباب من تحويل أفكارهم إلى مبادراتٍ ومشروعات ذات أثرٍ مجتمعي مستدام، في بيئةٍ تحتضن الإبداع وتُنمّي الطاقات. فالثقافة ليست نشاطًا هامشيًا أو إرثًا يُستعاد في المناسبات، بل قوةٌ ناعمة تُرسّخ الانتماء، وتصون الذاكرة الوطنية، وتعز الحضور الحضاري لعُمان، وتسهم في بناء اقتصادٍ معرفي ومجتمعٍ أكثر وعيًا وقدرةً على صناعة المستقبل.

ويؤمن فريق «حكاية» بأن الثقافة لا تعيش في الماضي، وإنما تتجدد باستمرار. لذلك فإن تطوير المحتوى البصري، وتوظيف التقنيات الحديثة، وصناعة القص الإنسانية، كلها أدوات تساعد على إيصال الرسالة الثقافية بصورة أكثر تأثيرًا وانتشارًا.

فالمطلوب منا اليوم ليس فقط أن نوثق ما نملكه من إرث حضاري، وإنما أن نعيد تقديمه للأجيال بلغة تليق بعصرهم، وتحافظ في الوقت ذاته على أصالته وعمقه. ولعل أجمل ما يمكن أن تصنعه الصورة، أنها تمنح الزمن فرصةً ثانية؛ حيث إنها تحفظ الأماكن قبل أن تتغير، والوجوه قبل أن يغيب أصحابها، والعادات قبل أن تندثر، واللحظات قبل أن تصبح ذكرى. وعندما تقترن الصورة بالقصة، فإنها تتحول إلى ذاكرة حيّة، لا تحفظ المشهد فحسب، بل تحفظ معناه أيضًا.

إن «حكاية» يؤمن بأن كل صورة مسؤولة، وكل كلمة مؤثرة، وكل قصة يمكن أن تصنع فرقًا. ولذلك فإن رسالته لا تنتهي عند التقاط الصورة، وإنما تبدأ منها؛ لتبني وعيًا، وتحفظ هوية، وتروي للأجيال القادمة أن في هذه الأرض تاريخًا يستحق أن يُروى، وإنسانًا يستحق أن يُحتفى به، ووطنًا يستحق أن تبقى حكايته حيّة في القلوب قبل الذاكرة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights