حين تصبح الكتابة نافذةً لا تفتح
سليمان بن حمد بن مسعود العامري
ليست الكتابة أن يملأ الكاتب الصفحات بعبارات منمقة، ثم يظن أن بريق اللفظ يكفي ليصنع نصًا أدبيًا حيًا. فالأدب لا يقوم على الزينة وحدها، ولا ينهض بكثرة الصور والمحسنات، وإنما يقوم على فكرة واضحة، ورؤية ناضجة، وتجربة صادقة تعرف طريقها إلى القارئ.
قد تبدو بعض النصوص جميلة في ظاهرها، لكنها لا تمنح القارئ شيئًا بعد القراءة؛ لا سؤالًا جديدًا، ولا معنى عميقًا، ولا أثرًا يبقى في الوجدان. وحين يغيب المعنى، تصبح الكلمات مهما تأنقت كإطار جميل لا يحمل صورة، أو كنافذة حسنة الصنع لا تطل على أفق.
ومن هنا يحتاج كل من يمسك القلم إلى أن يعرف أساسيات الكتابة قبل أن يندفع في زخرفة العبارة: الموضوع، والفكرة، والرؤية. فالموضوع هو المجال العام الذي يكتب فيه الكاتب، والفكرة هي المعنى الذي يريد إيصاله، أما الرؤية فهي نظرته الخاصة إلى ذلك المعنى. وقد يكتب كثيرون في الموضوع نفسه، لكن الذي يبقى في الذاكرة هو من يراه بعين مختلفة.
ولذلك لا تبدأ الكتابة الجادة من سؤال: ماذا أكتب؟ بل من سؤال أعمق: ماذا أرى في هذا الأمر ولا يراه معظم الناس؟ فهذا السؤال هو الذي يمنح النص بصمته، وينقله من سطح الموضوع إلى عمق الرؤية. فالكاتب لا يتميز دائمًا باختيار موضوع نادر، وإنما بقدرته على اكتشاف معنى خفي في الأشياء المألوفة.
غير أن امتلاك الفكرة وحده لا يكفي، ما لم يعرف الكاتب كيف ينظمها ويقود قارئه إليها. فلكل فقرة في النص الأدبي غرفتها الخاصة؛ لا ينبغي أن تتزاحم فيها المحاور، ولا أن تختلط الموضوعات بلا نظام. والموضوع، مهما كان جميلًا، لا يحتمل أن تُحشر فيه الأفكار كلها دفعة واحدة.
ليس من الحكمة أن يفتح الكاتب على قارئه أبوابًا كثيرة في وقت واحد، ثم يتركه تائهًا في عمق المحيط، بين أسطول من السفن، لا يدري أيها تقوده إلى المرسى، ولا أيها تبلغ به بر الأمان. إن النص الجيد يقود قارئه خطوة بعد خطوة، وفكرة بعد فكرة، حتى يصل به إلى الغاية التي أرادها الكاتب دون ارتباك أو ضياع.
بهذا الوعي، تصبح الكتابة بناءً لا ازدحامًا، ومسارًا لا متاهة، وجمالًا خادمًا للمعنى، لا ستارًا يخفي فراغه. فالأدب الحق لا يكتفي بأن يدهش العين أو يطرب السمع، بل يفتح في داخل القارئ نافذةً على معنى جديد.
وهذه نصيحة أوجهها إلى نفسي قبل غيري، وإلى كتّاب النثر والشعر: ليس المقصود أن نحسن صناعة العبارة فحسب، بل أن نحسن بناء الفكرة، ونوضح الرؤية، ونعرف إلى أي أفق نريد أن نقود القارئ.
وليست كل النصوص التي تتزين بالكلمات نوافذ مفتوحة؛ فكثير منها ليس إلا نافذةً لا تُفتح.


