حين تُعلن النتائج لا تجعلوا أبناءكم يخسرون أنفسهم
كيف نصنع من إعلان النتائج بدايةً للأمل لا سببًا للإحباط؟_
علي بن مبارك اليعربي
الباحث في الإرشاد النفسي والتربوي
بعد إعلان نتائج صفوف النقل، ومع ترقب إعلان نتائج الدبلوم العام خلال الأيام المقبلة، تعيش البيوت العُمانية حالةً من الترقب، لا لأن النتائج وحدها هي الحدث، بل لأن ما يليها من ردود أفعال قد يترك في نفوس الأبناء أثرًا أعمق من الدرجات نفسها. فكم من طالب لا يخشى نتيجة الاختبار بقدر ما يخشى أن يخسر ثقة والديه، أو يشعر أن مكانته في قلبيهما أصبحت رهينة رقم كُتب في شهادة.
وهنا ينبغي أن نتوقف أمام حقيقة تربوية مهمة؛ فالخسارة الحقيقية ليست أن ينخفض مجموع الطالب، وإنما أن يخسر ثقته بنفسه، وأن يشعر أن قيمته أصبحت مرتبطة برقم في كشف الدرجات، أو أن مكانته في قلب والديه أصبحت مرهونة بنتيجة امتحان. فالدرجة يمكن تعويضها في اختبار آخر، أما النفس المنكسرة فقد تحتاج سنوات حتى تستعيد ثقتها بنفسها.
ومع الأسف، يحوّل بعض أولياء الأمور – دون قصد – يوم إعلان النتائج إلى يوم محاكمة، فيكثر العتاب، وتُعقد المقارنات، وتُستحضر أسماء المتفوقين، وكأن الابن مشروع للمنافسة لا إنسان له مشاعر وظروف وقدرات متفاوتة. وقد تكون كلمة قاسية، أو نظرة استياء، أو مقارنة عابرة، كفيلة بأن تزرع في نفسه شعورًا بالنقص، أو أن تجعله يعتقد أنه خذل أسرته، فيبدأ بفقدان ثقته بقدراته، وتتسلل إليه مشاعر الإحباط والقلق وضعف تقدير الذات.
ومن منظور علم النفس التربوي، فإن الطالب الذي يجد في أسرته الاحتواء والدعم بعد التعثر يكون أكثر قدرة على النهوض وتصحيح مساره، بينما تؤدي القسوة والانتقاد المستمر إلى آثار قد تمتد سنوات، فتنعكس على تحصيله الدراسي، وعلاقاته الاجتماعية، ودافعيته للإنجاز، وربما تقوده إلى الانطواء أو القلق أو الاكتئاب. لذلك فإن كثيرًا من الأبناء لا يحتاجون بعد إعلان النتائج إلى من يخبرهم أنهم أخفقوا؛ فهم يدركون ذلك، وإنما يحتاجون إلى من يؤكد لهم أن التعثر لا يلغي قيمتهم، وأن الفشل في موقف لا يعني الفشل في الحياة.
ولعل أخطر ما يقع فيه بعض الأسر هو ربط الحب بالإنجاز، حتى وإن لم يُصرَّح بذلك. فعندما يشعر الابن أن الابتسامة تختفي مع انخفاض درجاته، وأن الرضا لا يُنال إلا بالتفوق، فإنه يبدأ في الاعتقاد أن محبة والديه مشروطة بالنجاح. وهنا تكون الخسارة أكبر من أي نتيجة؛ لأن الابن لا يخسر درجات فحسب، بل يخسر شعوره بالأمان، ويبدأ في التشكيك بقيمته الإنسانية.
إن النجاح الدراسي مهم، لكنه ليس المقياس الوحيد للنجاح في الحياة. فالامتحان يقيس جانبًا من التحصيل العلمي في زمن محدد، لكنه لا يقيس الأخلاق، ولا الإبداع، ولا القيادة، ولا قوة الإرادة، ولا المهارات الاجتماعية، ولا القدرة على تجاوز الصعوبات. وكم من شخص لم يكن من أوائل المتفوقين في مقاعد الدراسة، ثم أصبح صاحب أثر وإنجاز في مجتمعه؛ لأنه وجد من يؤمن به، ويمنحه الثقة، ويشجعه على النهوض كلما تعثر.
ولذلك، فإن المطلوب من أولياء الأمور ليس التقليل من أهمية الدراسة، ولا تجاهل النتائج، وإنما التعامل معها بوعي واتزان. فالنتيجة المرتفعة تستحق التشجيع دون مبالغة، والنتيجة المتواضعة تستحق الاحتواء دون تجريح. والحوار الهادئ، وتحليل أسباب التعثر، ووضع خطة للتحسين، كلها وسائل تبني الإنسان، أما الصراخ، والتوبيخ، والمقارنات، فلا تبني إلا الخوف والانكسار.
ولنتذكر دائمًا أن أبناءنا سيكبرون، وربما ينسون بعد سنوات مجموع درجاتهم، لكنهم لن ينسوا أبدًا كيف استقبلناهم يوم إعلان النتائج؛ هل شعروا أن البيت كان ملاذًا آمنًا، أم قاعةً للمحاسبة؟ وهل خرجوا من ذلك اليوم أكثر ثقة بأنفسهم، أم أكثر شكًا في قدراتهم؟
إن مسؤوليتنا الحقيقية ليست أن نصنع أبناءً يجيدون اجتياز الاختبارات فحسب، بل أن نصنع أبناءً يؤمنون بأنفسهم، ويملكون الشجاعة للنهوض بعد كل تعثر، ويوقنون أن قيمة الإنسان لا تُختزل في رقم، ولا تُقاس بورقة امتحان. فالأرقام تتغير، أما الشخصية الواثقة فترافق الإنسان طوال حياته.
وفي الختام، أقول لكل أب وأم: عندما تُعلن النتائج، افتحوا قبل أبواب النقاش أبواب قلوبكم. استقبلوا أبناءكم بالطمأنينة قبل الأسئلة، وبالاحتواء قبل اللوم، وبالأمل قبل الأحكام. فقد يخسر الابن درجاتٍ في اختبار، لكنه لا ينبغي أن يخسر نفسه، ولا ثقته بقدراته، ولا يقينه بأن حب والديه له أكبر من أي نتيجة. فهذه هي الثروة الحقيقية التي ستعينه على النجاح في كل اختبارات الحياة القادمة.



