مقالات صحفية

العدو الخفي

إسماعيل بن مسعود الراشدي

أخطر ما في الفكر أن يكون المحرّك الأول له هو الهوى، بعيدًا عن الاستناد إلى الدين الإسلامي وقيمه وتعاليمه، وهدي الحكمة والمعرفة، إذ يقف صاحبه على جرفٍ هارٍ لا أساس له، بعدما أعرض عن هداية الله مصداقًا لقوله تعالى:

﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾. الجاثية (23)

وما ذكرت لا ينطبق على الأفراد فحسب، بل يمتد أثره إلى الجماعات والدول والمنظمات وكل من يملك تأثيرًا أو نفوذًا أو سيطرة.

الشيطان ذو كيد ضعيف، وهو لا يُجبر الإنسان على المعصية، وإنما يُزين أسبابها ويُهيئ مناسباتها، ويُسوِّغ الإتيان بها، فالبشر مخيّرون في الأقوال والأفعال، لذلك فمن استجاب لوساوس الشيطان، وعبَّد نفسه له، فقد ظلم نفسه، والأدهى من ذلك أنه قد يظن أنه يحسن صنعاً لمجرد اعتقاده بصواب ما يفعل.

وهنا يأتي التحذير الرباني المُهيب في قوله تعالى:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾. الكهف (103-104)

الإنسان مهما بلغ من مكانة علمية أو أدبية أو اجتماعية، ومهما تربَّع على فُضليات الأخلاق والقيم والمبادئ، ومهما التزم بتعاليم الدين، فسيجد له حتمًا عدوًا من الإنس أو الجن، فالشيطان لا يستهدف أهل الشر فحسب، بل يتربص بأهل الخير، في سعيٍ دؤوب إلى إغوائهم، وتحويل مسارهم، ثم إغراقهم في أخطائهم بعد أن يزينها كما تُزين العروس في يومها.

إبليس الملعون لا تستعر ناره إلا بالدسائس والمكائد والفتن، ولا تخمد إلا بفضائل الأخلاق، ومنذ أن خلق الله بني آدم، لم ينفك ينزغ بين البشر؛ لينزع من قلوبهم الفضائل، ويزرع ما ينافيها من رذائل، طمعًا في خلق جيل خُلِق من طين، بعقول وقلوب شيطانية، بدأ عداوته مع أبينا آدم، ولن تنتهي إلا بقيام الساعة.

ربما ستدرك يومًا ما أنه قد غُرِّرَ بك، فكم صاحبٍ حسبته صديقًا حميمًا، وهو في الحقيقة عدوٌ متخفٍ تحت أردية الزمالة والصداقة والجوار، وهذه ليست سوداوية بقدر ما هي واقع وحقيقة نشفق بها على أنفسنا أولًا إن وقعنا في الفخ، ورحمةً بالآخرين إن شربوا من نفس الكأس.

لقد استخلفنا الله في الأرض، وميزنا بالعقل والإدراك دون سائر الكائنات؛ لمقدرتنا على التعلُّم من العثرات، والاستفادة من التجارب. ولم يكن ذلك عبثًا، بل لحكمة إلهية، ولأننا نختلف ونتباين في التفكير والتحليل والنية والضمير.

فلا عجب أن نقع ضحيةً لمن أحسنا الظن بهم، حتى تتساقط الأقنعة. ولكن العجب كل العجب ممن يسلّم رقبته للذئب مطمئنًا، متجاهلًا عاقبته بحجة الحب أو الشفقة أو الوفاء؛ حتى إذا ما افترسه الذئب، صاح مستغيثًا، ولبس ثوب المظلوم، وهو هنا ظالم لنفسه.

وقد يظن بعضهم أنني أدعو إلى سوء الظن، والحقيقة أنني أدعو إلى إعمال البصيرة والوعي في زمن أصبحت فيه الطيبة الزائدة ضعفًا، والثقة المفرطة خطرًا قد يكلف الإنسان ما لا يحمد عقباه فهي سُلَّمٌ زلق لا تُؤمن نهايته.

ليس كل من أسدى لك نصيحة ناصحًا أمينًا، وليس كل من ابتسم في وجهك يحبك، وليس كل من اقترب منك يريد الخير لك، وليست كل مساعدة وراءها نية طيبة، وليس كل نقدٍ يُراد به البناء، وليس كل مدحٍ هو ثناء ودليل محبة.

ياصاحبي… سر في حياتك بخطىً واثقة، وأحسن الظن بالناس دائمًا دون أن تعطل بصيرتك، رحيمًا دون سذاجة، وواثقًا دون غفلة، وأبقِ خنجرك في غمده لا لنية الطعن بل بحس الحذر الذي لا يناقض في حال من الأحوال حُسن الخلق، ولا جزالة الحكمة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights