بين الأزمات والحكمة العُمانية

خليل بن علي بن سعيد الهادي
تتسارع الأحداث في عالم يموج بالأزمات، ويتصاعد فيه الضجيج الإعلامي بوتيرة غير مسبوقة، حتى أصبح الإنسان محاطًا بسيلٍ من الأخبار والتحليلات والتوقعات التي تتناول الصراعات الدولية وتداعياتها، وما قد تؤول إليه من تحولات تعيد رسم ملامح العالم وموازين القوى فيه.
وينشغل المواطن في حياته اليومية بأولوياته الاجتماعية والمعيشية، إلا أن ما يدور حوله من أحداث لا يغيب عن اهتمامه؛ إذ تتردد على مسامعه الآراء والتحليلات في المجالس والمقاهي واللقاءات الأسرية، فضلًا عما تبثه وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، التي فتحت المجال أمام الجميع لإبداء الرأي، حتى اختلطت التحليلات الرصينة بالاجتهادات غير المتخصصة، وأصبح الضجيج أحيانًا يطغى على الحقيقة.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز السؤال: هل الحياد الذي تنتهجه سلطنة عُمان موقف ضعف أم تعبير عن حكمة سياسية؟
إن الإرث العُماني يحمل خبرة تاريخية في التعامل مع الصراعات، كما أن الدبلوماسية والحكمة والاعتدال قيمٌ متجذرة في الشخصية العُمانية، تشكلت عبر التاريخ، وترسخت في ثقافة المجتمع ومجالسه. ولذلك جاء الخطاب العُماني واضحًا في التزامه بالمواثيق الدولية، ودعوته المستمرة إلى الحوار، وحرصه على دعم الأمن والسلام لجميع الشعوب.
ومن هذا المنطلق، يرى العُماني أن الحياد الإيجابي ليس عزلة عن الأحداث، ولا تخلّيًا عن المبادئ، وإنما هو موقف يقوم على تغليب الحكمة، والابتعاد عن تأجيج الصراعات، والسعي إلى تقريب وجهات النظر، بعيدًا عن الاستقطابات التي تمزق المنطقة، ولا سيما تلك التي تتخذ أبعادًا سياسية أو مذهبية.
ولا شك أن الأزمة الإقليمية الراهنة، وما يرتبط بها من تفاعلات بين إيران والدول العربية والدول الغربية، تُعد من أكثر الملفات تعقيدًا. فلكل طرف رؤيته ومصالحه وحساباته، كما أن الشعوب كثيرًا ما تكون المتضرر الأكبر من استمرار النزاعات والتوترات، بما ينعكس على أمنها واستقرارها ومستقبلها.
وفي ظل هذه التعقيدات، يبرز النهج العُماني بوصفه خيارًا يقوم على الحكمة والاتزان، وهو النهج الذي تبنته كذلك دول عديدة دعت إلى التهدئة، ورفضت التصعيد، وشجعت على الحوار بوصفه السبيل الأمثل لتجاوز الأزمات.
وإذا وصف البعض هذا النهج بأنه ابتعاد عن الصراع، فإنه في الحقيقة انحياز للحكمة، وفرار من الفتنة لا من المسؤولية، وحرص على أمن الوطن واستقرار المنطقة. فالابتعاد عن إشعال النزاعات ليس ضعفًا، بل هو تعبير عن قوة البصيرة، وإدراك أن الحوار والإصلاح أكثر بقاءً من لغة المواجهة.
وربما لا نزعم الإحاطة بجميع تعقيدات السياسة الدولية، لكننا ندرك ما تربينا عليه من قيم راسخة، تقوم على العدل، والحكمة، واحترام الإنسان، والإيمان بأن السلام هو الطريق الأضمن لصون الأوطان وحماية الشعوب.
وقد رسّخ هذا النهج باني نهضة عُمان الحديثة، المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه –، وسار عليه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه –، اللذان جعلا الحوار والاعتدال أساسًا للسياسة العُمانية، انطلاقًا من الإيمان بأن الأمن والاستقرار لا يتحققان إلا بالحكمة والتفاهم.
ولعل أبلغ ما يختصر هذه الفلسفة ما قاله السلطان قابوس – طيب الله ثراه –: «الظلم ظلمات، ونحن ضد الظلم والظلام، ومع العدل والنور والوئام.»



