الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

كيف نستثمر أدوات الذكاء الاصطناعي في كشف الأخبار الزائفة في الصحف ؟

د. محفوظ بن خميس السعدي

في وقتٍ سابق، طرحت جريدة عمان تحقيقًا صحفيًا بتاريخ الثاني من مايو 2023م، تناولت فيه موضوع الذكاء الاصطناعي وتحولاته في مجال الصحافة. وقد تفرّع النقاش بسبر آراء ضيوف التحقيق أيضا حول الذكاء الاصطناعي من حيث الفرص والتحديات في الحقل الصحفي.

وتأسيسًا على ما سبق، تبرز أهمية – بل ضرورة – طرح سؤال محوري حول كيفية استثمار الذكاء الاصطناعي التوليدي في كشف الأخبار الزائفة في الصحف العُمانية، على أن يُستطلع فيه رأي العاملين في مجال الصحافة الورقية والإلكترونية على حدٍّ سواء.

وإلى أن يتم هذا الطرح، نجد من الأنسب استعراض الآراء التي ترى في الذكاء الاصطناعي مجالًا رحبًا للاستفادة من برامجه في جمع المعلومات والبيانات، وتعميق طرق توظيفها عبر تطوير أساليب إنتاج المحتوى وطرائق عرضه وتسويقه. وقد أشار الدكتور حسني محمد نصر، أستاذ الصحافة والنشر الإلكتروني بجامعة السلطان قابوس، إلى أن الصحافة التقليدية بصفتها مهنة لم تنتهِ، وإنما تغيّر وسيطها فقط.

وفي السياق ذاته، أكدت الدكتورة سالي حمّود، أستاذة جامعية وخبيرة في الإعلام والذكاء الاصطناعي، في التحقيق الصحفي ذاته، أهمية الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصحافة، بينما ترى الصحفية أفراح الشيخ بوكالة الأنباء البحرينية أن استخدام الذكاء الاصطناعي يمكّن الصحفي والإعلامي من البقاء في ساحة العمل الصحفي في ظل التنافس الكبير في تقديم المحتوى الإعلامي.
أما الإعلامي والصحفي سمير النمري بشبكة الجزيرة الإعلامية، فقد أشار إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي على الجوانب الأخلاقية في العمل الصحفي قد يكون كبيرًا جدًا إذا غفل الصحفي عن استذكار ميثاق الشرف المهني؛ إذ قد يلجأ بعض الصحفيين إلى نسب محتوى مُنتَج بواسطة الذكاء الاصطناعي لأنفسهم، وهو ما يُعدّ انتحالًا وسرقة أدبية تفقد الصحفي مكانته المهنية وتُضعف ثقة الجمهور به عند انكشافها. ومن هنا تبرز ضرورة تشديد الرقابة وتذكير الصحفيين بميثاق العمل الصحفي والأخلاقي تجنبًا للوقوع في مثل هذه الأخطاء.

وفي المقابل، عبّرت مدرين بنت خميس المكتومية، نائب رئيس تحرير جريدة الرؤية، عن مخاوفها من اندثار بعض المهن وتعرّض ممارسيها لخطر الانضمام إلى طابور الباحثين عن عمل.

وتتفق معظم الآراء على أن الذكاء الاصطناعي، وبرامج الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديدًا، أدوات فعّالة تخدم الصحفي والإعلامي في أداء مهامه، وتُسهم في إنتاج محتوى متميز. غير أن هناك مخاوف مشروعة ومتحققة مستقبلًا، من بينها احتمال تراجع الإقبال على كليات الإعلام والصحافة والتسويق، فضلًا عن إمكانية نشوء نموذج “الصحافة الرقمية الفردية”، حيث يقوم شخص واحد بإدارة منصة إعلامية كاملة، مما يؤدي إلى تقليص الموارد البشرية، وخفض المصروفات، وزيادة الإيرادات، وترشيق العمل الإداري.

هذه الحسنات التي قد تذهب ببعض السيئات في استخدام الذكاء الاصطناعي وتمنحنا الأحقية في طرح السؤال المعنون في عنوان المقال على منصات مثل (Gemini) و(ChatGPT)، بوصفهما من أبرز نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث جاءت الإجابات مؤكدة أن استثمار الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) في كشف الأخبار الزائفة في الصحف العُمانية يمكن أن يتم عبر توظيف أنظمة محلية مخصصة للغة العربية.

ومن بين الأمثلة المطروحة نموذج “ArabFake”، وهو إطار عمل طوّره فريق بحثي بجامعة السلطان قابوس في أواخر عام 2025، يعتمد على تقنيات التعلم العميق (Deep Learning) لكشف الأخبار الزائفة في الوسائل الإعلامية العربية بدقة تصل إلى 94.12%. كما أُشير إلى أهمية تحليل اللهجات والسياق العُماني في تقييم المحتوى الإخباري المتداول والتحقق من مصداقيته، نظرًا لتعقيدات اللغة العربية وتنوّع لهجاتها المحلية.

ومن الأدوات المقترحة كذلك:
التحقق اللحظي وتقدير المخاطر: عبر تقييم المواد المنشورة فورًا لتحديد مدى مصداقيتها، وتصنيف مستوى المخاطر الناتجة عن تداولها، وترتيب أولويات الاستجابة للأخبار المضللة عالية الخطورة.
التدقيق المتقاطع للمصادر: من خلال ربط الأخبار آليًا بالمصادر الرسمية ووكالات الأنباء الدولية الموثوقة لضمان صحة البيانات قبل النشر.

مكافحة المحتوى المولّد آليًا (Deepfakes): في ظل تزايد الحسابات الوهمية التي تنتحل صفة بعض الصحف وتستخدم شعاراتها لنشر أخبار كاذبة، يمكن للصحف استثمار أدوات مثل “Deepfake Inspector” للتحقق من الصور ومقاطع الفيديو والتأكد من أنها غير مولّدة بالذكاء الاصطناعي.

وهنا تنتهي سردية المصطلحات والأفكار التي وردت على لسان منصتَي (Gemini) و(ChatGPT)، إلا أن ذلك لا يُغني عن ضرورة التدقيق في كل كلمة تُنشر أو تُبث أو تُذاع باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي وأدواته المتعددة. كما تبرز الحاجة إلى عقد ميثاق أخلاقي مع النفس البشرية قبل أي ميثاق أخلاقي مكتوب، حول أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، وبالأخص في مجال الصحافة؛ فالكلمة إذا خرجت لا تعود، والذكاء الاصطناعي وروبوتاته ليسوا بمنأى عن الخطأ أو عن إيقاع الصحفي والإعلامي في فخ نشر الأخبار الزائفة.

وكحلٍّ عملي سريع لمكافحة هذه الظاهرة، تبرز أهمية إنشاء مجموعات تطوعية تُعنى بكشف الأخبار الزائفة والمفبركة والتصريحات المغلوطة التي قد تُسبب أضرارًا مجتمعية. ولعل جمعية الصحفيين العُمانية معنيّة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتشكيل فريق تطوعي متخصص يُسهم في دعم الصحف المحلية في كشف الأخبار الزائفة التي تنتشر كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights