مقالات صحفية

بين النصيحة والتدخل

منى بنت سليمان الجهورية

في المجتمعات المترابطة تقوم العلاقات الإنسانية على التعاون والتكافل وتبادل الرأي، فالفرد لا يعيش بمعزل عن أسرته ومجتمعه، بل يستفيد من خبراتهم وتجاربهم ويأنس بمشورتهم. وقد حثّ الإسلام على التناصح والتواصي بالخير، لأن الكلمة الصادقة قد تهدي إلى الصواب وتجنب الوقوع في الخطأ.

قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].

وقال النبي ﷺ: «الدين النصيحة» رواه مسلم.

غير أن النصيحة تفقد معناها حين تتجاوز حدودها، فتتحول من إرشادٍ يعين على اتخاذ القرار إلى تدخلٍ يفرض القرار، ومن رأيٍ يُستأنس به إلى ضغطٍ يؤثر في قناعات الآخرين واختياراتهم. وهنا تظهر الحاجة إلى التمييز بين النصيحة التي تبني، والتدخل الذي قد يهدم دون قصد أو عن قصد.

ومن أكثر القضايا التي يظهر فيها هذا الفرق قضية الزواج، ذلك الميثاق الغليظ الذي تقوم عليه الأسر وتُبنى عليه المجتمعات. فالزواج ليس مناسبة اجتماعية مؤقتة، بل شراكة عمر ومستقبل ومسؤولية مشتركة بين طرفين اختارا أن يسيرا في طريق واحد.

وقد جعل الله الزواج آية من آياته العظيمة، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].

ورسالتي إلى كل من أكرمه الله باختيار شريك حياته، وإلى كل أسرة تحمل همّ أبنائها وبناتها وتسعى لرؤية الخير لهم؛ إن الزواج ليس قرارًا فرديًا عابرًا، ولا شأنًا عائليًا محضًا، بل هو قرار تتقاطع فيه الحقوق والواجبات والمشاعر والمسؤوليات. ومن هنا تأتي أهمية التوازن بين النصيحة الصادقة واحترام حق الاختيار، وبين الحرص المشروع والتدخل الذي قد يحول دون تمام الخير.

وقد أرشد النبي ﷺ إلى معيار الاختيار الصحيح بقوله: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخُلُقه فزوِّجوه» رواه الترمذي.

لكن بعض الزيجات لا تتعثر بسبب نقص في الدين أو الخلق أو التوافق، وإنما بسبب تدخلات خارجية تتجاوز حدود النصيحة إلى التأثير السلبي وإفساد القناعات. فتبدأ الاعتراضات المبنية على الظنون أو الأهواء أو الحسابات الشخصية، حتى يصبح قرار الزواج ساحة للضغوط وتعدد الأصوات، ويضيع صوت أصحاب الشأن بين آراء الآخرين.

والله تعالى يحذر من التسرع في الأحكام واتباع الظنون، فيقول: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12].

فكم من مشروع زواج ناجح تعطّل بسبب كلمة، وكم من علاقة صادقة أفسدها سوء الظن أو نقل الكلام دون تثبت.

وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله:

إذا رُمْتَ أن تحيا سليمًا من الأذى
ودينُكَ موفورٌ وعِرضُكَ صَيِّنُ

لسانَكَ لا تذكر به عورةَ امرئٍ
فكلُّكَ عوراتٌ وللناسِ ألسُنُ

إن دور الأسرة والأقارب مهم ومطلوب، فالمشورة الصادقة من أسباب التوفيق، لكن هناك فرقًا بين النصيحة التي تُبنى على الحرص والحكمة، وبين التدخل الذي يسلب الآخرين حقهم في اتخاذ القرار.

وقد أمرنا الله تعالى بالعدل في الأقوال والأحكام فقال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: 152].

وقال الإمام الشافعي رحمه الله:

رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ
ورأي غيري خطأٌ يحتمل الصواب.

وفي الختام، فإن البيوت السعيدة تُبنى على التفاهم والقبول والاحترام، لا على الضغوط والتدخلات غير المبررة. ومن أراد الخير لغيره فليكن عونًا على جمع القلوب لا تفريقها، وعلى تيسير الحلال لا تعسيره، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].

فالكلمة قد تبني أسرة، وقد تهدم حلمًا، وقد تكون سببًا في سعادة تدوم سنوات أو حسرة تبقى طويلًا. وبين النصيحة والتدخل شعرة دقيقة، لا يدركها إلا من جعل العدل والرحمة وتقوى الله ميزانًا لأقواله ومواقفه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights