من التشريع إلى التمكين: حين تتحول الحقوق إلى فرص حقيقية
حمدان بن هاشل العدوي
عضو الجمعية العُمانية للأشخاص ذوي الإعاقة
عضو الجمعية العُمانية للكتّاب والأدباء
في الرابع من يونيو 2026م، أعلن بنك مسقط عبر حسابه الرسمي في منصة «إكس» توقيع اتفاقية تعاون مع كلية عُمان للسياحة لتدريب وتوظيف الأشخاص من ذوي متلازمة داون، في مبادرة تجسد إحدى أرقى صور المسؤولية المجتمعية، وتؤكد أن التمكين الحقيقي يبدأ بإتاحة الفرص العملية التي تمكن الإنسان من المشاركة والإنتاج والاستقلالية.
ولا يمكن النظر إلى هذه المبادرة بمعزل عن الحراك التشريعي والحقوقي الذي تشهده سلطنة عُمان في مجال تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. فقد جاء المرسوم السلطاني رقم (92/2025) بإصدار قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ليشكل محطة مهمة في مسيرة ترسيخ مبادئ المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص، وليؤكد حق الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم والتأهيل والتدريب والعمل والمشاركة الكاملة والفاعلة في مختلف مجالات الحياة.
ويعكس هذا القانون رؤية متقدمة تنظر إلى الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفهم شركاء في التنمية وأصحاب حقوق أصيلة، لا مجرد فئة تتلقى الرعاية أو الخدمات. كما ينسجم مع التزامات سلطنة عُمان بموجب الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي أرست مبادئ الشمول والتمكين وإزالة العوائق التي تحد من مشاركتهم الفاعلة في المجتمع.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الاتفاقية الموقعة بين بنك مسقط وكلية عُمان للسياحة؛ فهي ليست مجرد برنامج تدريبي أو فرصة وظيفية محدودة، بل نموذج عملي لترجمة المبادئ القانونية إلى واقع ملموس. فالتدريب المهني والتأهيل المناسب يفتحان أبواب الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، ويعززان الثقة بالنفس، ويمنحان الأفراد مساحة أوسع للإسهام في بناء المجتمع.
كما تحمل هذه المبادرة رسالة مهمة إلى مؤسسات القطاع الخاص مفادها أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة. فالأشخاص من ذوي متلازمة داون وغيرهم من الأشخاص ذوي الإعاقة يمتلكون قدرات ومهارات يمكن أن تسهم بفاعلية في بيئات العمل المختلفة متى ما توفرت لهم الفرص المناسبة والدعم اللازم.
ولعل الأثر الأعمق لمثل هذه المبادرات يتجاوز حدود التدريب والتوظيف ليصل إلى تغيير الصورة النمطية المرتبطة بالإعاقة. فكل تجربة نجاح في بيئة العمل تسهم في رفع مستوى الوعي المجتمعي، وترسخ قناعة بأن الاختلاف لا ينتقص من قيمة الإنسان أو قدرته على الإنجاز، بل يثري المجتمع بتنوع الخبرات والطاقات الإنسانية.
إن بناء مجتمع دامج لا يتحقق بالتشريعات وحدها، على أهميتها، بل يحتاج إلى مبادرات وممارسات تؤمن بحق الجميع في المشاركة والعطاء. وإذا كان المرسوم السلطاني رقم (92/2025) قد وضع الأساس القانوني لحماية وتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فإن المبادرات النوعية التي تتبناها المؤسسات الحكومية والخاصة تمثل الجسر الذي تعبر من خلاله تلك الحقوق من نصوص القانون إلى واقع الحياة.
وتأتي هذه الاتفاقية لتؤكد أن سلطنة عُمان تمضي بخطى ثابتة نحو مجتمع أكثر شمولًا وعدالة وإنصافًا؛ مجتمع تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يقدمه من إسهام وعطاء، لا بما يواجهه من تحديات أو صعوبات. وهي خطوة تستحق الإشادة، ليس فقط لما توفره من فرص تدريب وتوظيف، بل لما تحمله من رسالة إنسانية وحضارية تؤكد أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا بمشاركة جميع أفراد المجتمع دون استثناء.
إنها خطوة نحو غدٍ أكثر إشراقًا، تتحول فيه الحقوق إلى فرص، والفرص إلى إنجازات، والإنجازات إلى واقع يعيشه الأشخاص ذوو الإعاقة شركاء كاملين في بناء الوطن وصناعة مستقبله. فكل مبادرة تفتح بابًا للأمل والعمل والاستقلالية هي في حقيقتها استثمار في الإنسان، وترجمة عملية لقيم العدالة والمواطنة التي تقوم عليها المجتمعات المتقدمة.
فشكرًا لبنك مسقط، والشكر موصول لكل مؤسسة وكل فرد يؤمن بأن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة ليس عملاً خيرياً فحسب، بل حق أصيل، ومسؤولية وطنية، وشراكة حقيقية في صناعة المستقبل.



