وجع الفقد وسكينة الإيمان
سليمان بن علي الراشدي
في حياة الإنسان محطات لا تُنسى، وأحداث لا تمر مرور العابرين، بل تترك أثرها العميق في القلب والروح، وتغيّر الكثير من ملامحنا الداخلية، ومن أكثر تلك المحطات قسوةً وأشدها وقعاً على النفس، لحظات الفقد، حين يرحل أشخاص كانوا جزءاً من تفاصيل حياتنا، فنشعر وكأن شيئاً من أرواحنا قد غاب معهم .
الفقد ليس مجرد غياب شخص، بل هو غياب شعور، وغياب أمان، وغياب جزء من الحياة التي اعتدناها، هو فراغ لا يُملأ بسهولة، وصمت طويل يتركه الراحلون خلفهم، مهما حاولنا أن نُخفيه خلف ابتساماتنا أو انشغالنا بالحياة .
وفي بعض الأوقات، تتوالى الأحزان على الإنسان بشكلٍ يجعله يشعر بثقل الدنيا كلها على قلبه، فتأتيه الأخبار المؤلمة متتابعة، وكأن الحياة تختبر صبره، وتُعيد إليه وجعاً قديماً ظنّ أن الزمن قد هدّأه . فكل فقد جديد لا يأتي وحده، بل يحمل معه ذاكرة الفقد الأول، ويُوقظ جراحاً قديمة لا تزال تسكن في الأعماق .
وما أصعب أن يكون أول الفقد هو فقد “الأب” ذلك السند العظيم، والظل الذي لا يُعوّض، والطمأنينة التي لا تُشترى. فالأب ليس مجرد شخص في حياة أبنائه، بل هو عمرٌ كامل من الأمان، ودعاء لا ينقطع، وحضورٌ لا يُشبهه أحد. وحين يرحل الأب، لا يرحل وحده، بل يرحل معه جزء كبير من شعور الإنسان بالثبات .
ومنذ رحيل والدي رحمه الله، وكل فقدٍ جديد يُعيدني إليه، وكأن الأحزان تعرف الطريق إلى نفس الجرح، كل خبر وفاة، كل وداع، كل غياب مفاجئ، يُرجع إلى القلب ذلك الألم الأول، ويُذكّرني أن بعض الفقد لا يُنسى، بل يبقى ساكناً في الداخل، يهدأ أحياناً، لكنه لا يرحل .
وقد يمرّ الإنسان بفقد أشخاص ارتبط بهم وجدانياً، سواء من الأهل أو الأصدقاء أو ممن كانوا جزءاً من سنوات العمر الجميلة، أولئك الذين تركوا أثراً لا يُمحى، ورحلوا دون أن يمنحونا فرصة كافية للاعتياد على فكرة الغياب، هؤلاء لا يُنسَون، لأن حضورهم لم يكن عابراً، بل كان جزءاً من تكوين الروح .
لكن رغم الألم، يبقى الإيمان هو الملجأ الوحيد الذي يخفف وطأة الفقد، لأن المؤمن يعلم أن الموت حق، وأن هذه الدنيا ليست دار بقاء، بل محطة عبور قصيرة، وأن اللقاء الحقيقي ليس هنا، بل عند الله، حيث لا فراق ولا وجع .
قال الله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]
وقال سبحانه:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ . [البقرة: 155-156]
هذه الآيات لا تُقال فقط عند المصيبة، بل هي منهج حياة، تُعلّمنا أن الرضا بقضاء الله ليس ضعفاً، بل قوة إيمان، وأن الصبر ليس نسياناً، بل ثقةٌ بالله، ويقينٌ بأن ما عنده خيرٌ وأبقى .
وقال رسول الله ﷺ:
“إنما الصبر عند الصدمة الأولى”
وهنا يظهر المعنى الحقيقي للصبر؛ أن يثبت الإنسان حين تهتز داخله الدنيا، وأن يحبس اعتراضه لا دمعه، وأن يرفع يديه بالدعاء بدلًا من أن ينهار أمام الألم. فالحزن فطرة، والبكاء رحمة، لكن الصبر عبادة، والاحتساب رفعة عند الله .
لقد علّمني الفقد أن الحياة أقصر مما نظن، وأن الود لا يجب أن يُؤجل، وأن الكلمة الطيبة قد تكون آخر ما نتركه في قلوب الآخرين، علّمني أن من نحبهم قد يرحلون فجأة، وأن الذكريات تصبح أثمن ما نملك بعدهم .
ولهذا، يجب أن نُحسن إلى من حولنا، وأن نُظهر محبتنا قبل أن يصبح التعبير عنها متأخراً، وأن نُدرك أن الرحيل لا يستأذن أحداً، وأن أعظم ما يبقى للإنسان بعد موته هو الأثر الطيب، والدعاء الصادق، والذكر الجميل .
وختاماً أقول: الحمد لله على كل حال، فكل ما يقدّره الله لنا يحمل حكمة، وإن خفيت عنا، وكل فقدٍ وإن أوجعنا فهو يذكّرنا بحقيقة الدنيا، ويُعيدنا إلى الله أكثر قرباً وخشوعاً .
نسأل الله أن يرحم والدينا، ويرحم من فقدناهم من أهلٍ وأحبة، وأن يجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، وأن يرزقنا الصبر الجميل، والرضا التام، واللقاء بهم في جنات النعيم .
فاللهم ارحم أبي، وارحم كل روح رحلت وتركت في القلب فراغاً لا يُملأ، واجعل لنا في الدعاء لهم سكينة، وفي الصبر عليهم أجراً، وفي لقائك بهم أملاً لا ينقطع .



