نغمات الحروف…الجزء السادس: حرف (ح)
خلفان بن ناصر الرواحي
حرف تلوّ حرف، ونحن مستمرون في الكتابة لنبحث عن نغمات معينة لكل حرف من حروف الأبجدية العربية، وها نحن الآن نصل لحرفنا (ح)؛ فهو مرتبط بالحروف الأخرى ليشكل نغماته الجميلة، ونحن نجتهد في “حبكه” ونستخلص بعض الكلمات التي نتلمس فيها معاني جميلة تخاطب وجداننا، وتتناغم مع معانيها المختلفة التي تجعل منها صورة واضحة لنا في حياتنا الخاصة والإنسانية معا!
ولو أبحرنا في هذا الحرف (ح)؛ لوجدناه متصدرا لكلمة “حِبر”، وهو معروف بأهميته وارتباطه الوثيق بحاجة الأدباء والمفكرين وأصحاب الفكر والمعرفة حاملي القلم النابض. كما نجده أيضا في بعض الكلمات ذات المعاني العميقة بحياتنا الشخصية، ونذكر منها على سبيل المثال؛ “حياة، حيويّة، حكمة، حصاد، حرية”، وغيرها الكثير من الكلمات المرتبطة بحياة الإنسان، والتي بلا شك يمكن أن تشكل تناغمات في النفس البشرية التي تبحث عن السعادة!
كذلك إن نظرنا لوجود هذا الحرف (ح) في وسط الكلمة أو آخرها؛ لوجدنا أنّ أنغامه متصلة مع كل معاني الشعور والعاطفة التي نحتاجها بين الحين والآخر، ولعلنا نرى ذلك في بعض الكلمات التي نذكرها على سبيل المثال، ومنها؛ “محبة، رحابة، رحمة، كفاح، حنان، حرية، احترام، مزاح، نجاح، فرح، فلاح”.
بالإضافة لما سبق نذكر هنا قصيدة شعرية كل بيت فيها يبدأ بحرف (ح)، والقائل هو الشاعر “مالك بن المرحّل”، وهي في سياق الحديث عن حب المدينة المنورة وأهلها للنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث يصف كيف أحبت المدينة وأهلها حب النبي فأمدتهم بالهداية، والأبيات هي جزء من قصيدة طويلة؛ حيث يقول فيها:
حديثٌ كما هبَّ النسيمُ صباحا
فجرَّ على زهرِ الرياض جناحا
حدائق روضٍ من حديث محمدٍ
تخيّرتُ منها نرجسا وأقاحا
حكى الناس أن المصطفى بعد عمّه
رأى من قريش شدةً وجماحا
حبا اللّه أبصار المدينة حبّه
فمدّ له الأيدي هُدىً وفلاحا
حدَوْه على السُكنى لديهم فأجمعت
قريشٌ على أن يقتلوه صُراحا
حثا التربَ لما أرصدوا لخروجه
عليهمْ وهُمْ لا يُبصرون رواحا
حوى الغارُ منه سرَّ علم وحكمةٍ
فأطبق أحناءً عليه شحاحا
حماهُ حمامٌ داجنٌ وعناكبٌ
نَسَجنَ فصيّرنَ البيوتَ صحاحا
حنا نحوه رأسَ الجوادِ سراقةٌ
فساخت يداه في الطريق فصاحا
حنانيكَ هذي آية فدعا له
فلاقى فلاحا بعد ذا ونجاحا
حفايةُ جبريلَ به في طريقه
كفته فلمْ يحملْ هناكَ سلاحا
حُداةَ المطايا إن عسفانَ منزلٌ
تأرج من طيب النبي وفاحا
حلالي وردٌ في قُدَيْد فأوردوا
ولا تتركوا ماءً هناك قراحا
حنيني إلى تلكَ المعاهدِ كلِّها
يجولُ بقلبي بينهن مَراحا
حمائلُه سارتْ إلى نحو يثربٍ
فسيروا غدوا نحوها ورواحا
حُلولا بنا في بطنِ ريم وبعدَه
برأسِ قُباء لا يريدُ براحا
حوائمُ أضحتْ للرسائل معهدا
بها طلعَ الدينُ الحنيفُ ولاحا
حبسنا بها نبكي المنازل كلَّها
ندورُ مساءً حولها وصباحا
حفاةً على الآثار نمشي وتارةً
نجرُّ على تلكَ المعاهِد راحا
حوالىْ ديارٍ حالَ فيها محمد
فآبت بريّاه رُبىً وبطاحا
فما أجمل حرف (ح)، وما أجمل نغماته مع حركات الفتح والضم والكسر؛ “حا، حو، حي”!
للموضوع تتمة لباقي الحروف.



