دعك من مقارنة الآخرين.. فإنها تخنق الأنفاس

عواطف السعدية
من الأمور المحبطة عند كثير من الناس؛ أمر فوات الزمن وتقدم العمر، خاصة لمن كانت عندهم طموحات وأحلام. وإذا لم يحسن الشخص سياسة نفسه في ذلك؛ فسيمضي عمره متحسراً على كل مرحلة تُطوى من مراحل حياته، ومضيّعاً وقته الذي بين يديه. وإنها لوسيلة شيطانية لأصحاب الهمم ينفذ من خلالها الشيطان إليهم ليحبطهم.
إن القلق من تقدم العمر قلق عبثي لا معنى له، وصغر السن ليس معناه فرصة أكبر للنجاح؛ لأن النجاح مرتبط بأمور أخرى وراء ذلك، مرتبط بمقدار المعرفة والسعي وبذل الجهد، والتعامل الصحيح مع المعطيات.
فمهما كان عمرك فأنت الآن في وقتك المناسب، فلا تنظر إلى من هو أصغر منك، ولا إلى من هو أكبر منك، ولا إلى من هو متقدم عليك في العلم والعمل، فلست في سباق مارثوني مع أحد.
أنت لست متقدماً على أحد، ولا متأخراً عنه. فكلٌ له مضماره الخاص به، وزمنه الخاص به؛ فعش مرتاح البال، وسر هانئاً بتؤدة نحو أهدافك وطموحاتك، وعش لحظاتك الهانئة بكل تفاصيلها، واحذر من شعور اللهث لاستدراك ما فات بسبب تأخرك لظرفٍ ما، فتكون كمن يطارد القطار بقدمين حافيتين، وكلما وصل إلى محطة ليأخذ أنفاسه فاته القطار وسارع باللحاق به. وما يضيرك أن تكون على استعداد لأن تبدأ من الصفر، وإنها لكبيرة إلا على أصحاب الهمم الذين لا يعرفون اليأس.
لا تظننّ أن الأمر انتهى، فالفرصة ما زالت سانحة، والقصة لم تنته بعد؛ فما عليك إلا أن تعيد ترتيب أوراقك من جديد ثم النهوض. وكل من سار على الدرب الصحيح وصل، وفتح الله عليه، ولو تأملنا قليلًا لوجدنا أن القلق من تقدم العمر سببه مقارنة النفس مع الآخرين. وهذه المقارنة دعك منها؛ فإنها تخنق الأنفاس، وفرّ منها فرارك من الأسد؛ لأن نفعها ضئيل، وضررها متحتم، وستضرك حتى لو كنت ناجحاً وتسير بشكل صحيح. ومقارنة النفس بالآخرين ظالمة و غير منطقية، فليس كل الناس لديهم نفس الفرص ونفس الأحوال والإمكانيات.
إن الحياة مكابدة، ولا تخلو من قواعد عامة للنجاح، من أخذ بها أخذ بحظٍ وافرٍ. فإذا سرت على هذه القواعد مستعيناً بالله، وفعلت ما بوسعك فعله؛ فأهمل أمر الزمن بعد ذلك، طال أم قصر . وفضل الله واسع، فقد تحقق في عام ما حققه غيرك في أعوام، وقد يفتح الله عليك في شهر ما أعياك طلبه في سنوات. فالحياة كريمة، وفيها من المفاجآت شيئاً كثيراً ك.. ودونك هذه الوصية النبوية العظيمة احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز وما أجمل الاتزان في كل شيء، فعليك به. الاتزان في أهدافك وطموحاتك وعلاقاتك، في عبادتك ومعاملاتك. ولا شيء يعين على الاتزان ويعيد ترتيب هرم الأولويات؛ كذكر الآخرة والتفكر فيها. فكلما أوغلنا في هذه الدنيا وأنهكَنا التنافس المحموم فيها؛ جاء موضوع الآخرة ليعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ويبيّن لنا عوار الدنيا، وأنها كطيف الحالم فالعبرة ليست بما تبقى من العمر، وإنما بما تستطيع أن تفعله في القدر المتبقي. وحتى لو لم يبق في العمر إلا ثوانٍ معدودة، فإنها كافية لغرس فسيلة قد تكون سبباً لنيل رضوان الله. عندما يزداد وعيك تزداد ايجابيتك وسعادتك
وتكون ميّال للهدوء وتتجنب السلبية والجدالات والشكوى، فطاقتك الإيجابية تنفر من الطاقة السلبية وتلقائياً ترفض تصرفاتهم؛ مما يؤثر عليك سلبياً، لذلك لا تسقُط فى فخ الرفض وبداية إنتقاد تصرفات الآخرين.. والمطلوب منك عدم رفض تصرفاتهم لأن الرفض سيجعلك تستنزف طاقتك وتتآكل ذاتياً..
وبدلاً من ذلك حاول تقبُل العقليات من حولك بدون ظُلم نفسك تقبَل مرحلة وعيهم وإدراكهم وبدلاً من الغضب منهم، أشفق عليهم وعلى عدم إدراكهم أنهم يقهرون أنفسهم بالبطىء بسبب سلبيتهم،
وأشفق عليهم أنهم يتألمون ولا يعلمون أنهم السبب في ما يحدث لهم وبدلاً من الشكوى المستمرة من المُحيط إمتن كثيراً أنك عرفت الطريق وخرجت من ذلك المُستنقع الموحل المؤلم.. وتعلَم كيف تُحافظ على طاقتك من الإستنزاف بتجنُب النقاش والجدال الغير مُجدي وتعلَم فن اللامبالاة وتجاهُل كل ما يؤذي طاقتك ونفسيتك “
ومع الوقت والتدريب على التقبُل وفن اللامُبالاة سوف تصبح طاقتك منيعة وضد الإختراق. حتى إذا كان حولك عشرات الأشخاص السلبية سوف تكون أنت في داخلك مليء بالسلام والهدوء، بل أنت من ستؤثر على المحيط بطاقتك الإيجابية
فالطاقة النظيفة الإيجابية مؤثرة ومُعدية وأقوى مئات المرات من أي طاقة أخرى.



