خلف الشاشات البراقة… عوز لا يلحظه أحد
بقلم : أثير بنت محمد السعدية
في كل يوم، تمتلئ منصات التواصل بصور التنقل، والمقاهي الراقية،والمركبات الحديثة، والمعيشة التي تبدو مكتملة من الخارج.لكن وراء هذه الشاشات البراقة، يواجه العديد من الأفراد وضعًا مختلفًا تمامًا… وضعًا يكتنفه الخوف والالتزامات والسكوت.
هناك عائلات بأكملها صارت تحدد أيامها بما تبقى في الرصيد المصرفي، لا بما تطمح إليه للمستقبل. أب يكابد ساعات مطولة، ثم يعود في ساعة متأخرة وهو لا يفكر سوى: كيف سيؤمن الأجرة؟
وأم تخفي انشغالها بابتسامة حتى لا يستشعر صغارها بأن البيت يتداعى بروية. الموجع ليس العوز وحده، بل محاولة ستره. ففي عصر أصبحت فيه الصورة هي لغة القبول المجتمعي، صار جل الناس يخشى الاعتراف بأنهم منهكون ماليًا.
يقترض البعض فقط لكي يظهروا بهيئة “عادية”، ويقتنون ما لا يلززمهم حتى لا يحسوا بأنهم أدنى من الآخرين.
لقد أوجدت وسائل التواصل مقارنة يومية مؤلمة. أنت لا ترى إجهاد الناس الفعلي، بل تشاهد أفضل لقطاتهم فقط.
فتعتقد أن الجميع يعيش حياة مثالية… سواك.
لكن الواقع مغاير.
خلف كل لقطة فخمة قد تكمن التزامات مالية. وخلف كل ضحكة قد يختبئ اضطراب نفسي.
وخلف بعض “الإنجازات” المُعلنة توجد صراعات لا يراها أحد.
الأخطر أن هذا الضغط نشّأ جيلًا يربط قيمته بما يمتلك، لا بما هو عليه. أصبح المرء يُحسب بهاتفِه، ومركبته، ومكان تناول قهوته، وعدد متابعيه.
بينما يتم إهمال القيم الجوهرية: الاطمئنان، والثبات، والمودة، والصدق. إن العوز اليوم لم يعد دائمًا واضحًا كما كان في زمن مضى قد يرتدي ثيابًا أنيقة، ويحمل جهاز اتصال حديثًا، ويبتسم أمام الناس… لكنه في باطنه ينهار بهدوء.
نحن لا نحتاج فقط إلى معالجات اقتصادية، بل نحتاج أيضًا إلى رحمة أكبر، وإصدارات أحكام أقل.
نحتاج أن نتوقف عن تحويل العيش إلى منافسة استعراض، لأن الكثيرين يفقدون صحتهم النفسية وهم يسعون فقط لكي يبدوا “حسناً”. وربما السؤال الأهم في هذا الوقت ليس: “من يبدو ثريًا” بل: “من ينعم بصفاء داخلي أصيل”


