الأربعاء: 22 أبريل 2026م - العدد رقم 2893
مقالات صحفية

نجمة في ذاكرة الخليج

صالح بن سعيد الحمداني

خيّم الأسى على الوسط الفني في الخليج والوطن العربي عقب إعلان وفاة الفنانة الكويتية القديرة حياة الفهد عن عمر ناهز الثامنة والسبعين، بعد رحلة طويلة من العطاء والإبداع امتدت لعقود متتابعة، خمسون عامًا صنعت خلالها حضورًا استثنائيًا في ذاكرة المشاهدين، ورسخت مكانتها كواحدة من أهم الأسماء التي أسهمت في بناء الدراما الخليجية الحديثة، وبرحيلها تنطفئ قامة فنية ارتبطت بأعمال خالدة، وأدوار حفرت مكانها في وجدان أجيال كاملة عاشت معها لحظات الفرح والتأثر والتأمل.

منذ بداياتها الأولى ظهرت حياة الفهد بموهبة فطرية واضحة، وقدرة لافتة على تقمص الشخصيات بمصداقية عالية، فنجحت سريعًا في جذب انتباه الجمهور والنقاد معًا، كانت تمتلك حسًا إنسانيًا عميقًا جعلها قادرة على الاقتراب من الناس، ونقل تفاصيل حياتهم اليومية إلى الشاشة بصورة صادقة ومؤثرة، ولهذا وجد المشاهدون فيها صوتًا يشبههم، ووجهًا يعبر عنهم، وفنانة تعرف كيف تلامس همومهم وأحلامهم، لم تكن مسيرتها مجرد سلسلة من المشاركات الفنية، وإنما تجربة ثرية تشكلت عبر سنوات طويلة من الاجتهاد والتجديد، تنقلت بين أدوار الأم الحنون، والمرأة الصلبة، والشخصية الشعبية البسيطة، كما خاضت شخصيات مركبة مليئة بالصراعات الداخلية، وقدمتها بإتقان جعل كل دور يحمل بصمته الخاصة، تلك القدرة على التنوع منحتها مكانة راسخة، وجعلت اسمها حاضرًا بقوة في كل موسم درامي.

عرف الجمهور حياة الفهد بقدرتها على الجمع بين الترفيه والرسالة الاجتماعية، ففي أعمالها كانت الضحكة تحمل معنى، والمشهد البسيط يفتح بابًا للتفكير، والحوار اليومي يكشف قضايا أعمق تتصل بالأسرة والمجتمع والعلاقات الإنسانية، لذلك تجاوز تأثيرها حدود الشاشة، وأصبحت أعمالها جزءًا من النقاشات الاجتماعية والثقافية داخل البيوت الخليجية والعربية، واعتاد المشاهدون انتظار أعمالها في المواسم الرمضانية بشغف كبير، لما تحمله من جودة فنية وحضور محبب وقصص قريبة من الناس، وكانت إطلالتها تمنح أي عمل ثقله وقيمته، بفضل خبرتها الطويلة وشخصيتها الفنية المتفردة فهي كانت في حقبة فنية راقية وجميلة فخلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، عاشت الدراما الخليجية واحدة من أجمل مراحلها، وكانت حياة الفهد في مقدمة نجوم تلك المرحلة التي عشنا تفاصيلها نحن أبناء ذلك الجيل.

ومن أبرز الأعمال التي رسخت اسمها في الذاكرة مسلسل “إلى أبي وأمي مع التحية”، الذي تناول قضايا تربوية واجتماعية بأسلوب قريب من الأسرة الخليجية، وحقق نجاحًا واسعًا ما زال مستمرًا مع تكرار عرضه، كما لمع نجمها في “خالتي قماشة”، العمل الذي تحول إلى علامة فارقة في تاريخ الكوميديا الخليجية، حيث قدمت شخصية شعبية محببة ما زالت حاضرة في أذهان الجمهور حتى اليوم، وشاركت أيضًا في أعمال أخرى تركت أثرًا كبيرًا مثل “رقية وسبيكة”، و”على الدنيا السلام”، و”الأقدار”، و”الحريم”، و”سوق المقاصيص”، وغيرها من المسلسلات التي تنقلت بين الطابع الاجتماعي والدرامي والكوميدي، مؤكدة في كل مرة قدرتها على التجدد ومواكبة تغيرات الزمن وذائقة الجمهور.

ولم يتوقف عطاؤها عند التمثيل فقد امتلكت رؤية أوسع دفعتها إلى الكتابة والتأليف، فساهمت في تقديم نصوص ناقشت قضايا المرأة والأسرة والتحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع الخليجي، فحياة الفهد كانت تؤمن بأن الفن رسالة مسؤولة، وأن الشاشة يمكن أن تكون مساحة للوعي كما هي مساحة للمتعة، لذلك حملت أعمالها دائمًا بعدًا فكريًا واضحًا، وأما على المستوى الإنساني فقد بقيت حياة الفهد قريبة من الناس، تحتفظ ببساطة الشخصية الخليجية ودفئها، وتتمتع بعفوية أحبها الجمهور كثيرًا، كانت صريحة في حديثها، واضحة في مواقفها، صادقة في تعاملها، وهو ما زاد من شعبيتها، وجعل محبتها تمتد خارج حدود الفن إلى مساحة أوسع من التقدير الإنساني.

وبعد الصراع مع المرض رحلت تاركة إرثًا فنيًا، ومع انتشار خبر وفاتها غصت وسائل الإعلام ومنصات التواصل برسائل النعي والدعاء، واستعاد كثيرون مشاهد من أعمالها ومواقف جمعَتهم بها أو ذكريات ارتبطت بمسلسلاتها، وعبّر فنانون وإعلاميون ومحبون من مختلف الدول العربية عن حزنهم العميق لفقدان نجمة كبيرة كان لها فضل واضح في ازدهار الدراما الخليجية وانتشارها عربيًا، إن الحديث عن حياة الفهد هو حديث عن زمن جميل وعن مرحلة تأسيسية مهمة في تاريخ الفن الخليجي، فقد كانت من جيل الرواد الذين وضعوا اللبنات الأولى لمسيرة درامية قوية، استفادت منها الأجيال اللاحقة من ممثلين وكتاب ومخرجين، وسارت على الطريق الذي ساهمت في رسم ملامحه، لقد رحل الجسد غير أن الأثر يبقى حاضرًا ما بقيت الأعمال تعرض، وما دام الجمهور يردد الحوارات ويتذكر الشخصيات التي أحبها، فالفنان الحقيقي يواصل حضوره من خلال ما يتركه من قيمة وجمال وذكرى، رحلت حياة الفهد، وبقي اسمها منقوشًا في سجل الفن الخليجي والعربي كأحد أكثر الأسماء إشراقًا وتأثيرًا، رحمها الله رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وألهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights