الإثنين: 20 أبريل 2026م - العدد رقم 2891
مقالات صحفية

ليس المهم أن تمشي… بل أن تعرف بأي قدم تمشي، وبأي حذاء

عائدة بنت سعيد العريبي
جامعة التقنية والعلوم التطبيقية – فرع نزوى

مسرحية حذاء ليلة الزفاف لفرع الجامعة بالرستاق

لسنا نتعثر لأن الطريق صعب… بل لأننا نمشي بأحذية لا تشبهنا.

بهذه الجملة تبدأ الحكاية، لكنها لا تنتهي عند حدّ البلاغة، بل تفتح بابًا لمساءلةٍ أكثر إزعاجًا:
كم مرة ظننّا أن العثرة قدر، بينما كانت في حقيقتها نتيجة اختيارٍ لا يشبهنا؟

ربما لا يُطلب منا أن ننظر بعيدًا، بل أن ننظر إلى الأسفل؛ إلى تلك المنطقة التي لا نلتفت إليها عادةً، لأنها بديهية، مستقرة، مسلّم بها. لكن المسرح الجاد لا يثق بالمسلّمات، بل يهدمها بهدوء. فالحذاء، هذا العنصر العابر في حياتنا اليومية، يتحوّل إلى رمزٍ كثيف: هو ما نرتديه لنمشي، لكنه أيضًا ما يحدّد كيف نمشي، وبأي وتيرة، وبأي ألمٍ خفي.

إن السؤال: انظر أسفل قدمك، هل لديك نعل أو حذاء تستند إليه؟ أم أن الحذاء ليس لك؟ لا يبحث عن إجابة لفظية، بل عن لحظة وعي.
لحظة يدرك فيها الإنسان أن كثيرًا مما يحمله في حياته ليس اختيارًا خالصًا، بل امتدادٌ لخيارات الآخرين: أسرةٌ حدّدت، مجتمعٌ وجّه، ظرفٌ فرض، أو حتى خوفٌ صاغ القرار بصمت.

وهنا تتجلّى المفارقة:
نحن لا نفشل دائمًا لأن الطريق معقّد، بل لأننا نسير فيه بأدواتٍ لا تنتمي إلينا.
طالبٌ يدرس تخصصًا لا يسمع فيه صوته، موظفٌ يؤدي دورًا يتقنه لكنه لا يؤمن به، إنسانٌ ينجح ظاهريًا لكنه يترنّح داخليًا… كلهم يمشون، لكن لا أحد منهم يمشي بثبات.

المسرح في هذا الطرح لا يقدّم وعظًا، بل يكشف خللًا بنيويًا في علاقة الإنسان بذاته. فحين لا يكون الحذاء لك، تصبح كل خطوة محاولة للتكيّف لا للتقدّم. يصبح الإنجاز إنجازًا شكليًا، والتوازن توازنًا هشًّا، والحياة سلسلة من الانتصارات التي لا تشبه صاحبها.

ولعلّ أعنف ما في الفكرة ليس العثرة، بل الاعتياد عليها؛ أن يتصالح الإنسان مع ألمٍ مصدره واضح، لكنه لا يملك أن يخلع سببه. هنا يتحوّل الحذاء من أداة إلى قيد، ومن وسيلة إلى هوية زائفة.

إن دعوة المخرج ليست للتشكيك في الطريق، بل في الذات التي تسير فيه.
فالمشكلة ليست دائمًا في الاتجاه، بل في مدى توافقنا معه، وهذا ما يمكن تسميته سوء المواءمة؛ ذلك الفارق الصامت بين ما نعيشه وما نحن عليه.

في النهاية، قد لا نملك تغيير الطرق التي فُتحت أمامنا، لكننا قد نملك أن نسأل السؤال الأصعب:
هل ما نحمله يعكسنا حقًا… أم أننا فقط تعلّمنا كيف نسير به؟

ربما لا تكون الشجاعة في أن تمضي، بل في أن تتوقّف لحظة، تنظر إلى أسفل قدمك، وتدرك أن أول خطوة نحو التوازن… هي أن تخلع ما لا يشبهك.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights